حركة فتح، في انطلاقتها؛ عَود على بدء
المتوكل طه
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة الأولى
أعتقد يقيناً؛ بأنّ النصّ، أيّ نصّ، عندما يتّصل بالسُلطة، فإنه يفقد ماهيّته وجدواه، لأنه يصبح ذا هوى، ويصير أداة مكشوفة ورخيصة، للتبرير أو التجميل. وعندها ينتفي عنه جلال الانتماء الحقيقي، وزهو الغاية النبيلة، المتمثلة بالنقد الواجب، والمساءلة الهادفة لتجاوز المهابط.
وتحرص السُلطة، أيّ سلطة، لأن يكون لها سياقها الثقافي والفكري والعَقَدي، الذي يقدّمها سائغة لجمهورها، ويبرّر سقطاتها وإخفاقاتها، وينافح عن سياساتها وامتيازاتها الظالمة، بحقّ شعبها..ما يجعل النصّ متآمرا وشريكا أصيلا في التمويه والقمع والتغريب والاستلاب والتعمية. وهنا لا يمكن توصيفه إلا بالرّخص والمجّانية المؤذية. ويعجبني إدوارد سعيد في قوله عن تأملات أدورنو: "إن من المناقبيّة الأخلاقية أن لا يشعر المرء بالراحة والانتماء في أيّ بيت". وبهذا المعنى فإن على الكاتب أن يعبر الحدود ويزيل العوائق في الفكر والتجربة. وعليه أن يظلّ متشككّاً، يقظاً على الدوام، لا يتملّق السُلطة، ويرفض الطمأنينة والانخراط.
أسوق هذه المقدمة؛ لأدخل، دون إكراهات، لقراءة ومراجعة حركة فتح، دون شخصنةٍ أو تعمّلٍ، آملا بعث حوار عميق جدّي، تتطلّبه اللحظة، حتى تعود فتح العظيمة، إلى روحها المتوثّبة، القادرة على الإجابة، أو طرح الأسئلة الصحيحة في الزمن الخطأ.
لقد قدّمت فتح، الشهداءَ والأسرى، وقامت ببطولات فذّة وعبقرية وعمليات فدائية جسورة، لأن عقيدتها ومبرّر وجودها، منذ تأسيسها، كانت موضوعة التحرير، لذا؛ حظيت بمصداقية جعلتها قادرة على الفعل والامتداد والتواصل والبقاء. لكن هذا لم يكن عقيدة النظام الذي أنشأ منظمة التحرير واستهدف السيطرة على إرادة الشعب الفلسطيني. لقد اكتشف الشعب الفلسطيني بعد حرب النكسة عام 1967، أن النظام العربي لم يمنعه فقط من تحرير أرضه المحتلة عام 1948، بل حال دون إمتلاكه قدرات المقاومة للمحافظة على ما تبقى من أرضه في الضفة الغربية وغزة والقدس. ولهذا ظلّت فتح مًستهدَفة منذ البدايات، فخاضت معارك للدفاع عن الثورة أكثر مما خاضت معارك ضد الإحتلال. وأعتقد أن قوى الاستعمار والصهيونية، وبالذات في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، عبر ذيولها، قد استطاعت - للأسف الشديد - دفعَ الظاهرةَ الفلسطينية والحالة التي مثّلتها الثورة، وعلى رأسها فتح، استطاعت أن توصلها إلى النقطة التي تريد، أي إلى طاولة التفاوض مجرّدة من كل عناصر القوة، وبغير شروط الثورة. كما استطاع الغرب وأذرعه الرجعية والمكرّسة لخدمته، محاصرة المشهدَ الفلسطيني في مربّع، يضيق تدريجياً، إلى حدّ أننا أصبحنا محاصرين، في عدد من السجون الكبيرة (المدن والبلدات والقرى والمخيمات). وتفتتت وحدة الشعب وتفتت المشروع الوطني، فأصبحت أولوية الشتات هي العودة، وأولوية الفلسطينين في أراضي 1948 المساواة بالحقوق ضمن دولة الاحتلال، بينما يُلحِف شعبنا في الأراضي المحتلة العام 1967 على الاستقلال وإقامة الدولة "المجزوءة"،عداك عن المشهد المخيف في غزة، والذي ينادي بالعمران وبقاء الناس في أرضهم، وسيطرة سلطات الاحتلال على الكثير من تفاصيل حياتنا،لا سيما في القدس.
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف أو أنسى أن الشعب الفلسطيني قد قطع شوطاً مضنياً وطويلاً على طريق تأكيد ذاته واستعادة هويته والمحافظة على شخصيته الوطنية والثقافية، وجعل من منظمة التحرير وطناً سياسياً، رغم كل استطالات النفوذ العريي داخلها..هذا الجهد المتواصل، الذي لن يموت ولن يتوقف، ويبقى يصطدم مع نظرية متواصلة وداهمة، تحاول ردّه على أعقابه، والقضاء على ما حققه، والعودة به إلى نقطة الصفر. وهي نظرية مدفوعة بإرادة الإلغاء والشطب والنفي الصهيونية الغربية الرجعية، تواجهها إرادة التحدّي والبقاء الفلسطينية. وأعتقد أن هذا الصراع بين الإرادتين سيتواصل، إلى أن يبلغ شعبنا أهدافه ويتمّم أحلامه، وسيبقي الصراع صراعاً وجودياً وشمولياً.
وباختصار؛ فإن هناك ثلاثة أخطاء استراتيجية اقترفناها، وهي:
الأول: أننا انتزعنا تمثيلنا للشعب الفلسطيني بشرعية البندقية المقاوِمة، لكنّنا بالمقابل خسرناه،نسبياً.
الثاني: أنها أقدمنا على أكبر مغامرة سياسية يمكن لحركة تحرر وطني أن تُقدِم عليها، وهي قبولها التفاوض مع التخلّي عن أداتها الكفاحية.
الثالث:بعد الخروج من بيروت وافتقاد القاعدة الآمنة.. تحوّلت القيادة من خندق محاربة التطبيع إلى منصّة توظيف التطبيع.
وثمّة أخطاء أخرى منها، التقليل من أهمية المحافظة على الوحدة الوطنية. والأخطاء المتعلّقة بقوانين مواجهة الاحتلال (اللّاتعايش مع الاحتلال). وقبول تحويل المؤقّت إلى دائم. وتضخيم الانجازات الرمزية واعتبارها انتصارات. وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، واستخدام نظام الاقتصاد الحرّ في مرحلة التحرّر، واستبدال مفهوم التحرر الوطني بالتنمية الوطنية.
ومع هذا، ولهذا كله؛ فإن القوّة المؤهّلة على الساحة الفلسطينية، والقادرة على مدّ نظرية التحدّي الفلسطينية بدافعيّة جديدة ودماء متدفّقة نقيّة، هي حركة فتح، ولكن بمفردات جديدة، وبإعادة تعريف مقاوم للذات، تتخفّف فيه حركة فتح، من حمولة الاتفاقيات المقيدة لإرادتها الوطنية، ومن أولئك الذين ربطوا مصيرهم ومصالحهم بدولة الاحتلال، ما يحقق ولادة جديدة لفتح، بالإفادة من "الثورة"بمعناها وجوهرها النقي، لأن فتح هي العنوان الوطني الجامع الذي لم يحصر نفسه بفكرة أيديولوجية أو اجتماعية أو فئات بعينها، بل تقاطعت رؤيتها مع المصلحة الوطنية برمّتها، في الخلاص والتحرير. ولأن فتح للجميع، وتجسّد هويّتنا الوطنية. غير أن انزلاق فتح إلى السلطة، وانخراطها في ثناياها أحدث صدمةً، وبكل المقاييس، لأن السلطة أصبحت أكبر العوائق أمام مسيرة التحرير، فَمكوّنها ووظيفتها هي وظيفة مُعطِّلة للتحرير، سواء على مستوى المكوِّن الأمني أو المدني، لأن الأمني في خدمة الأمن الذي يريده الاحتلال، والمدني أعفى الاحتلال من كل مسؤولياته، وجعله أرخص احتلال في التاريخ، واحتلال بلا ثمن! حتى أن هذا الاصطلاح تستخدمه السلطة من رئيسها إلى رئيس قسمها..دون العمل وفق دلالاته.
وأصبح سؤال "ما البديل" و"ما العمل" سؤالاً مُستعصياً، لأنها حوّلت شعباً بأكمله من صاحب مصلحة في التحرير إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل.
باختصار؛ لقد كانت السلطة زمن الرئيس عرفات ومع بداياتها، رغم كلّ القيود والملاحظات، تذهب في سياق مهمّة التحرير، لأنها كانت "عامل تأزيم"، وبحثت عن كل المخارج، وواجهت أزمات..حتى دفع الرجلُ حياتَه ثمناً لذلك. لكن السلطة،بعد سنوات، وبعيداً عن الأشخاص والاتّهامات، أصبحت "عامل تهدئة" ، ومنحت الاحتلال استقراراً من حيث الكيفية والزمن..لم يتوقّعه منذ إقامة دولته الغاصِبة.
إننا لا نميل إلى انتقاد الأشخاص وتحميلهم المسؤوليات،بغض النظر عن كل الملاحظات وسوء الأداء أو تميّزه، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير، لكن ذلك لا يعفينا ولا يعفيهم من مواجهة الواقع والحقيقة الصادمة، أن هذا المشروع قد فشل ووصل إلى نهايته. ولا يحقّ لأحد، كائناً مَن كان، أن يوهِم نفسَه أو غيره أنه يمتلك معجزة ستأتي بِحَلٍّ سحريّ من جعبة الحاوي، لأن هذا ببساطة هو بيعٌ للوَهمْ، ولم يعد شراء الوقت ممكناً أو مفيداً، لأن المسافة بين أهدافنا، التي نسعى لتحقيقها، بالحرية والاستقلال والدولة والعودة والقدس، قد ضاقت إلى حدّ مفجع، ولا يمكن مدّها زمنياً أو موضوعياً. وإذا ما استمرّت القيادة في نهجها الحالي..عندها، لا مناص من أن نقول إنهم سيتحمّلون المسؤولية عن المصير المظلم الذي دُفِع إليه شعبنا، وسنتحمل معهم مسؤولية الصمت، إنْ رضينا بذلك.
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة الثانية
أما المثقفون والكُتّاب السياسيون والمفكّرون، في حركة فتح، فإنهم لم يشكّلوا حالة فكرية قادرة على مواجهة تخريب الوعي الجَمْعي المُمنهج الذي يستخدمه الاحتلال وأدواته، ولم يطوّروا أو يشكّلوا تياراً فكرياً ذا ثقل، يؤسّس لمناعة وطنية مطلوبة، تجعل التساوق مع حالة التعايش مع المحتلّ عملاً مرفوضاً، صعباً بل مستحيلاً
إن المطلوب هو أن يُراكم المثقفون لَبِنات الوعي، ليحلّ وعي الفكرة المقاوِمة عميقاً في المدارك، ليؤصِّلها،ويغلب ماكينةَ تخريب الوعي الداهمة، التي تأخذها في سيولها إلى الهاوية. والثورة عامةً، تجعل بناء الوعي الجَمْعي أحدَ أهمّ أهدافها، لأن أداة التحرير الأولى هي الشعب الواعي والمدرك، وهذا ما يفسّر الهجوم على التربية والتعليم، وعلى الثقافة بشقّيْها النخبوي ومعناها الاجتماعي، وإلا ستذهب الثورة إلى اجترار السائد والمعتم والمتخلّف، وإلى استبدال قيم الانتماء للوطن لترفع من شأن قيم الإنتماء للقبيلة لتحل مكان الثقافة الوطنية وثقافة الثورة..فالانتماء للقبيلة لا يحتاج إلى الوعي الحرّ، بل إلى الطاعة العمياء وإلى العصبوية الضيقة، ولم يكن ذلك عفوياً كما لا يستهدف حماية الثورة أو فتح كقبيلة بمفهوم الجماعة، بل من أجل أن تختبئ جماعة بعينها تستولي على إرادة فتح..خلف فتح القبيلة، وكلما استيقظ الشعب على استلاب إرادته، تستدعي تلك الجماعة قيم القبيلة لتختبئ خلفها، فَتراهم يختبئون خلف فتح كلما اهتزت مواقعهم..ويدَّعون أن التهديد الذي يواجههم هو تهديد لفتح، والحقيقة أنهم هُم التهديد الأخطر على فتح. لهذا؛ نشارك الدّاعين للمؤتمر الثامن للإجابة على غير سؤال، وأهمها،الإعتراف بفشل مشروع التسوية الذي حملته على أكتافها، وتتحمّل المسؤولية التاريخية لإنزاله عن أكتاف الشعب الفلسطيني.
إن مهمة المؤتمر هي البحث عن استراتيجية جديدة ترتكز إلى الكينونة التي حملت مشروعنا، وامتلكت أدوات التحرير، وضمّت أطياف الشعب وقواه وفصائله، التي هي منظمة التحرير الفلسطينية، التي يبقى عليها أن تنجز الوحدة الوطنية.
فتح بين مفهوم التحرير ومفهوم التسوية:
ولأسباب ثقيلة، سارت حركة فتح بقدميها وقطعت المسافةَ ما بين "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف" إلى ما سُمّي "سلام الشجعان والتطبيع مع المحتلّ والاعتراف به وبما احتلّه، وهو أربعة أخماس مساحة فلسطين" دون ثمن ملموس! إن هذا الإنجرار بلا يقين ودون الاحتفاظ بأدوات النضال والثورة، وتقديم مهمة على أخرى، وتبديل فكرة التحرير، بفكرة الدولة، ضيع الفكرتين معاً (التحرير والدولة). أي لم نحقق أيّ شيء ملموس، عدا عن أننا وقعنا تحت سنابك الإبادة والتطهير العِرقي والهضم الاستيطاني.
فَ"الثورة"، أصلاً، وجِدَت لتؤسّس فضاءً جديداً مُغايراً وتبحث عن قَدَر تخلقه لنفسها..لا أن تتعاطى مع "الموجود أو المفروض"أو تتماهى مع الرَّسْم البياني لقرارات القمم العربية المتهافتة واللاهثة نحو قاتلها..
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف عمّا يفرضه الواقع من إزاحات، وما تحدثه التحوّلات الدولية والإقليمية من إكراهات وانعطافات، وما تفرزه الذات من عوامل تراجع وخيبات. لكنني أرى أننا تعجّلنا التاريخ، وحرقنا مراحل، ورُحنا إلى قَدرٍ رسمه لنا الآخرون – الأعداء - فذهبنا إليه واستمرأناه لأسباب شخصية، واستسهلنا الأمر، أو اعتقدنا، بشُبهةٍ أو سذاجة، عكس ما هو قائم وحقيقي وكائن.
وحتى لا يكون ما تمّ تحقيقه بديلاً لما نريد "السلطة بديل التحرير"،
تحوّلت التسوية السياسية إلى فخّ خطير، بات يهدّد كل ما أنجزته الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني طيلة مسيرة النضال، قدّم شعبنا خيرةَ أبنائه شهداء وجرحى وأسرى.وأخطر ما في الواقع هو غياب إرادة حقيقية للتغيير، واستمراء مكوّنات الحُكم والنفوذ في حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، للبقاء في الحكم على حساب التحرير.
لماذا فتح؟
إن حركة فتح ضرورة وطنية، وإصلاح حركة فتح واستنهاضها على أسس وطنية، ضرورة ومدخل لاستنهاض المشروع الوطني، مشروع الكلّ الفلسطيني..فمسؤوليتها أكبر من مسؤولية الآخرين، والرهان عليها أكبر وأهم من رهان الشعب على الآخرين من أحزاب وحركات فلسطينية أو على أصحاب المحاور والمشاريع العربية والإقليمية.
ونعترف؛ بأن ثمة أخطاء قد وقعت، وأن تجاوزات قد حدثت، وأن خروجا جارحاً واضحاً قد تمّ على مبادئ فتح واستراتيجياتها التي كانت تتغيّاها.. لهذا لا بدّ من المكاشفة والمصارحة، على قاعدة النقد الذاتي المسؤول والحريص المنتمي. وقد اعترف العشرات من كوادر الحركة بأن المسيرة الفتحاوية لم تكن بلا أخطاء. فـ «فتح» حركة تحرر قائمة ومؤسَّسَة على فكرة المواجهة مع الاحتلال،وفي اللحظة التي تنتهي المواجهة يزول سبب وجود الحركة -عملياً-.
وأعتقد أن أكبر أخطاء الحركة تمثّل في التنازل عن حقوق غير قابلة للتصرّف (78بالمئة من أرض فلسطين) والهبوط بالثوابت (دولة في الضفة والقطاع)، وعدم اعتماد مبدأ المأسسة، والسماح باستشراء الفساد بكل صوره، والاعتراف بالقاتل قبل نيل الحقوق. أما ما تبقى فهي أخطاء، تبدأ ولن تنتهي..لكن أبرزها، الآن، يتمثّل في: عدم تحرير فتح من قيود السلطة، لأن حركة فتح ليست نتاجاً للتسوية ولا يجوز إخضاعها لاستحقاقاتها، وخصوصاً بعد أن خرجت تسوية أوسلو عن مسارها وأهدافها الأولى.
كما انعكس غياب الرؤية السياسية والفكرية عند القيادة العليا سلباً على القاعدة،حيث تتخبط القاعدةُ الفتحاوية سياسياً وفكرياً، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها في مواجهة خصوم «فتح» لأنها لا تعرف ما يجري،وبالتالي يعتمد كل فتحاوي على اجتهاده الخاص.
من الضروري التفكير بهامش من الاستقلالية بين حركة فتح من جانب، والسلطة واستحقاقاتها والتزاماتها من ناحية المواقف والرؤية السياسية من جانب آخر، لأن إخضاع حركة فتح للسلطة والتزاماتها يُخرج حركة فتح من كينونتها، ويتعارض مع مبادئها. التداخل بين السلطة وحركة «فتح» وهيمنة الأولى على الثانية يشكّلان سبباً مهماً في إعاقة استنهاض حركة فتح وفي ضبابية الرؤية عند أبناء الحركة وفي فقدان الحركة مصداقيتها عند الجماهير العربية والإسلامية. ولأن الصراع على السلطة يدمّر حركة فتح.
وعلى الرغم من وجود خلافات داخل حركة فتح، فإنها ما زالت الفصيل الأكبر والأكثر تماسكاً. وكل ذلك لا يمنح شرعية دائمة وثابتة لحركة فتح، ولا يعطيها الأسبقية دائماً على غيرها من القوى والحركات السياسية. «فتح» تحتاج - بالإضافة إلى ما سبق كي تستحق وتتصدّر المشهد السياسي النضالي والتعبير عن نبض الشعب وتطلعاته والاستمرار في قيادة المشروع الوطني - إلى ثورة داخل الثورة، إلى النهوض من جديد وإعادة تفكيك وتركيب، وإعادة الاعتبار إلى دورها كحركة تحرر وطني، تنسلّ من القيود التي تكبّلها، ومن وَهْم التسوية مع المحتلّ، لتتقدم خَطَّ المقاومة والثورة، ضد الاحتلال، على طريق الحرية والاستقلال.
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة الثالثة
ويؤكد كثيرٌ من المثقفين والمفكّرين، في الحركة الوطنية الفلسطينية، على أنّ أيّ مجموعة سياسية، تعمل تحت الشرط الاستعماري، وتكون مُحاطة بقوة الاحتلال، وتحت مجْهرِه وضرباته، هي مجموعة غير قادرة على إحداث فرق نوعي. بل يذهب بعض السياسيين للقول؛ إن حركات التحرر في زمن الهزيمة مضطرة إلى الإنزلاق، ولا تستطيع التوقف إلاّ في قاع الهاوية. لهذا نجد أنفسنا مضطرين لمجابهة هذه المقولات، ليس من باب المناكفة، ولكن من باب التحديق في المرآة والمناقشة، وسبر غور هذه اللحظة التاريخية، التي تصطخب فيها غير قوة ورأي ووجهة نظر، وتشهد دعوات حاسمة، تنادي بضرورة أن تستعيد حركة "فتح" دورها، ولتجد لها ولنا الكوابح الكافية، لإيقاف تلك الهرولة وذلك الإنزلاق الذي يومض بتسارعه نحو الحضيض.
ولعلنا، في قسوتنا لتوصيف حال حركة فتح، إنما هي بدافع الحماية والغيرة والحبّ والانتماء، وبهدف إثارة نقاش واجب الوجود وعصف ذهنيّ، بكامل العافية والاستعداد.
عندما وقّعت قيادة فتح على أوسلو 1993،دخلت إلى مجازفة تاريخية، تتطلّب الكثير من العزم والحكمة وحسن الأداء والتماسك الداخلي والحفاظ على الذات؛ هوية وفكرة وبنية، والقدرة على مواجهة الضغوطات، في واقع لم تتعوّد قيادة الحركة العمل داخله، لتحقيق عبورٍ آمن لهذه المجازفة، فإن لم تحقق الأهداف المرجوّة، كان على الحركة أن تضمن الحفاظ على بنيتها وهويتها كحركة تحرر وطني. وأعتقد أن الحركة لم تدقّق تماماً في ماهيّة القيود والاشتراطات التي يمكن أن تكبّلها أو تؤثر على بنيتها وطبيعتها وهويتها، وبدا أن قيادتها كانت مشغولة بمسألة الحُكم أكثر من انشغالها بفكّ طلاسم الاتفاق ومحتوياته الغامضة. وقد لا أجافي الحقيقة إن قلت إن حركة فتح قد هشّمت نظامها الأساسي لحظة توقيع الاتفاق من قبل أعلى مستويات القيادة في المنظمة، ولم تُبقِ لنفسها هامشا لخطة بديلة، أو أي طوق للنجاة، بل قفزت بكلّها وكليلها إلى وحل الاتفاق، وأنجرت بوعي أو دون ذلك إلى التأسيس لفكرٍ جديد، تجاوزت به نفسها وبرنامجها، وناقضت ذاتها، وخذلت مبادئها، وتورّطت في السلطة، ولم تجد المسافة بين السلطة وبينها، حين اعتقد بعض من قيادتها أن السلام استراتيجية بديلة لإستراتيجة الحرب "الثورة"، بينما في الواقع النظري، الفلسفي والفكري والعسكري والسياسي، فإن استراتيجية السلام هي جزء من استراتيجية الحرب وليست بديلا لها، ومن يفصل بينهما يسقط في إدارة الحرب كما في إدارة السلام، وهذا ما كان. وكان أحرى بفتح أن تضع بديلاً إذا انهار السلام - وقد انهار - وأضعفت م.ت.ف.من أجل السلطة، وغابت عن التأثير في م.ت.ف. وهجرت عوامل التواصل مع العروبة والجماهير وعُمْقها الإسلامي والثوري، وخلقت طبقة مستفيدة، وأضعفت الكوادر وفتّتتهم، وأفسدت بعض الذمم، ولم تخلق ثقافة فتحاوية، واستبدلتها بثقافة التسويات. واعتمدت على المساعدات الخارجية واستحقاقاتها، ولم تعتمد على موارد داخلية أو بعيدة عن الشروط. ولم تحقق مكتسبات أو إنجاز لافت، سوى منجزات بسيطة إعلامية أو رمزية. بل وتكاد تشطب هذه الانجازات بتخلّفها عن خطّ المواجهة مع الاحتلال، وهذا ما يفسّر ابتعاد الجماهير، إلى حدّ كبير، عنها.
ثم أنها قدّمت نموذجاً سيّئاً للقيادة واستبداد السلطة واستغلالها، ما خلق رؤوساً ومراكز قوى وتيارات. وعلى مدار أكثر من ثلاثين سنة من السلطة، فقد سيطر الارتباك والتردّد والضبابية في إدارة فتح تنظيمياً وجماهيرياً وسياسياً، لأن فتح -عملياً- وضعت كلّ بيضها في سلّة العملية السلمية التسووية، والتي لم يلمس المواطن منها سوى الموت والاستيطان والإبادة والحواجز والفقر والحصار. كما أن فتح غرقت في التيارات والاستقطابات العربية، ولم تستطع أن تحيّد نفسها تماماً، أو تجد مسافة متساوية بين المتناكفين العرب. لهذا فقد فَقَدت فتح، كثيراً، من الشرعيتين اللتين كانتا تمدّانها بالحيوية والحضور والنفاذ، وهما الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية. والآن، فإن من أخطائها القاتلة، أنها قد تستقوي بقوى مختلفة لتثبيت أو انتزاع الشرعيتين أو إحداهما، وهاتان الشرعيتان لا يمكن الحصول عليهما أو إنجازهما إلاّ عبر الجماهير وبها.
وإن اندفاع حركة فتح، وعلى الأصحّ قيادتها المُتنفّذة، ومكابدتها نحو البقاء والسيطرة، يدفعها نحو خيارات خطيرة جداً، تتمثّل في وضع نفسها في خدمة المخططات الإقليمية والدولية، بحيث تتحوّل فتح من حركة ثورية إلى نُخبة سياسية أمنية، تنفّذ برنامجاً يصبّ في خدمة الرؤية الكبرى للقوى المتحكّمة ومصالحها المختلفة، لترتيب المنطقة واستلاب ثرواتها، ورسم سياسات بعيدة المدى. وعملت على نشر المقولات والدعوات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجديدة، التي تفارق روح فتح وحمولتها ونظامها الأساسي، والذي سعى البعض، إلى تحويله من نظام سياسي جامع وأصيل، إلى نظام داخلي منزوع الأهداف والمبادئ والأساليب، التي تربّت عليها الأجيال. وإذا أضفنا إلى ذلك كله هيكليات فتح التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث، ولم تعد تستطيع إلا الحفاظ على مصالحها الصغيرة، وكذلك بروز التيارات المختلفة والمرتبطة بأجندات متعارضة، صغيرة وكبيرة، ومكشوفة وغير مرئية، فإنّ ذلك يؤدي، مع المال السياسي، إلى أن تصطدم فتح ومشروعها، إذا بقي منه شيء، في حائط من الفولاذ.
وكل ذلك على خلفية عدم الإنجاز السياسي والإخفاق الإداري،والتخشّب الفكري أو غياب الرؤية،وانعدام الكريزما الشخصية..فإن كل ما نشهده من تراجع للصورة الفلسطينية والنموذج الفلسطيني، ورغبة البعض في أن يغسل يديه من قضيتنا، هو نتيجة لما وصلت إليه رائدة الكفاح والمقاومة فتح، التي استمدت شرعيتها وتأثيرها الغلاّب من مشروعها الكفاحي، الذي استعجلت وتعجّلت التاريخ، من أجل اتفاق غامض رسم مستقبلاً غامضاً، ندفع كلُّنا ثمن ضعفنا فيه، وهزيمتنا المدويّة.
وتدرك فتح أنها أمام حقائق صادمة، أوّلها؛ أن حلّ الدولتين قد ذهب مع الاستيطان، وأن حلّ الدولة الواحدة سيقود إلى نظام أبرتهايد مخيف، نرى إرهاصات حرائقه في كل أرضنا المحتلة، وأننا ذاهبون إلى حصار، سيفرضه المستوطنون وينكّلون بنا وبأشجارنا وبيوتنا ودروبنا، فما هو السيناريو الذي وضعته فتح لمواجهة هذا الرعب القادم؟ والحقيقة الثانية؛ أن الفصائل الفلسطينية قد انفرط بعضها أو انكمش أو فَقَدَ تأثيره المعهود، أو يسعى إلى خيارات، إنْ تمّت، ستقضي على مشروعنا الوطني! فماذا أعدّت فتح لإنهاض الفصائل والحيلولة دون التشظّي وتخريب الوحدة الوطنية، عبر انتخابات واجبة للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسي. والحقيقة الثالثة؛ أن القوى الكبرى لن تهبّ لتقديم "الدولة" لنا على طبق نظيف، لأسباب معلومة، وأن عمقنا العربي يشهد درساً في الخراب والطحْن والعدمية، وأنه منشغل بنزيفه المهول أو بتطبيعه المجّانيّ الخائف مع الاحتلال. عدا عن حقائق "داخلية" تشير إلى أزمات اقتصادية واجتماعية ووطنية وسياسية شديدة الصعوبة والتعقيد، من وضع قطاع غزة الرجراج، والخوف من التهجير، وانعدام فرصة حلّ الدولتين، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية والهشاشة والتسطّح الفكري..إلى تعدد الخطابات. فأين فتح من كل هذا؟ وهل تمتلك إجابات شاملة وعلمية وواقعية؟
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة الرابعة
وإذا كانت فتح قد لعبت دوراً في غاية الأهمية، في تشكيل مجتمعها، من أجل فكرة التعامل مع مخرجات الشرعية الدولية، وقبول تقسيم الوطن التاريخي، على ما فيه من ألَم، بسبب سقوط التاريخ على كاهل فتح، فإن المجتمع الإسرائيلي، في المقابل، ومنذ أوسلو، حتى الآن، وبالذات اليمين الإسرائيلي المتطرّف والمتوحّش والتلمودي، قد ذهب بعيداً في دمنا، وفي التنكّر للحق الفلسطيني والوجود الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، فإن التيار الصهيوني العريض وهوامشه اليمينية، قد أذاب الهوامش اليسارية منه، بحيث تحوّلت النُخَب الإسرائيلية الحاكمة والمثقّفة إلى داعية للاستيطان والطرد والقتل وتكريس الاحتلال. وفي هذا كشف حقيقي لرؤية كل طرف على المستوى الاجتماعي والثقافي لاتفاق أوسلو. ويمكن القول أكثر من ذلك؛ إن أوسلو غيّر المجتمع الفلسطيني إلى القبولية، في حين حوّل المجتمع الإسرائيلي إلى كامل الرفض! وهذا يدفعنا للقول؛ إن المجتمع الإسرائيلي لا يمكن له أن يصنع سلاماً مع الآخرين، فضلاً عن نفسه.
وقد وَقَع العالم الغربي في خطيئة أخرى من خطاياه، وهي أنه ساعد ودعم وحاول نشر فكرة القبول للإسرائيلي داخل المجتمع الفلسطيني، عن طريق مراكز البحث والدعم المالي والدورات وخلق النُخب وتشجيع المبادرات وربط المساعدات بهذه الثقافة الجديدة، في حين أن هذا المجتمع الغربي لم يطلب من الإسرائيليين الشيء ذاته، الأمر الذي تحوّل فيه الإسرائيليون إلى متطرّفين أكثر فأكثر..بحيث شهدنا، منذ أوسلو حتى اللحظة، تفريخاً متصاعداً لأحزاب اليمين المتطرّف الاستيطاني والمتوحّش والحاخامي. كما أن بعضنا اعتقد بأننا إذا قمنا بواجبنا "الأمني" وطبّقنا ما هو مطلوب منّا..فإن العالَم سيعطينا حقوقنا! لكن النتيجة هي أن الاحتلال والغرب طالبنا بأن نقوم بواجباتنا، ولم يُطالب إسرائيل بواجباتها! بل إن إسرائيل نفسها "انتقت" ما يناسبها من الاتفاقيات (الأمن) وأدارت ظهرها لباقي القضايا! والأدهى أن إسرائيل والغرب ما فتئ يطالبنا ب"الهدوء" وبالمزيد من التنازلات والإصلاح! والوصول إلى حلول وسط - بعد أن قضى على غزة، وقسّمها وحاصرها جوعا، وبعد أن اعترفنا وأعطينا إسرائيل أربعة أخماس وطننا التاريخي.
وحركة فتح التي وَقَعت في إشكالية "منُجَز السُلطة" و"مُنجَز التحرّر الوطني" دفعها إلى سياسات مواربة وغير واضحة ومرتبكة، وهي سياسة دفعت ثمنها غالياً! فهي لم تحافظ على السلطة من جهة، باعتبار أن "السلطة" خيار دولي أكثر منه إنجازاً وطنياً أصيلاً. وفَقَدت فتح، في الوقت ذاته، الكثير من علاقتها بالجمهور الذي اختبرها، في لحظة تاريخية مصيرية، فلم تكن كما توقّع!!إنه مصير درامي مُفجع.
إن انعقاد المؤتمر السادس والسابع بالكيفيّة المعوَّمَة بالارتجال والشعبوية، وغياب المراجعات والمكاشفة الحقيقية والشفافة..علاوة على تراجع الدور الحقيقي والفاعل لمربّعات فتح من مركزية ومجلس ثوري واستشاري..أدّى إلى مزيد من التراخي والانفكاك وإدارة الظهر للحركة، وإلى التسطّح وعدم الثقة في القرارات التي لا تجد لها أرضاً للتنفيذ، إضافة إلى أن كل ذلك مرتبط ومرهون، إلى حدّ كبير، بمكان انعقاد المؤتمر، فالجغرافيا لها ضريبة، نراها في السقوف والمداخلات والأعضاء والتوجّه ومراكز القوى وجماعة الضغط ومركز صنُع القرار.
ويعتبر تعزيز المكوّنات التنظيمية والعسكرية والجماهيرية ومدى قوّة تمثيلها في المؤتمر، المدخل الأول لفهم توجهات الحركة السياسية والنضالية، ومدى تمسّك الحركة بكونها حركة تحرر وطني، سواء على مستوى البُنية أو البرنامج السياسي.فَهل ستكون اجتماعات فتح القادمة، صراخاً أم زفّة نفاق وتصفيق للقيادة، أم نقاشاً هادئاً، يصل فيه المجتمعون إلى قرارات جامعة، بعيداً عن رَفْع الأيدي وخَطْف المواقف، تحت دعاوي الحفاظ على فتح أو درْءاً لمخاطر تتهدّدها؟
إن الفتحاويين مدعوّون لإعادة صقل وحماية المفاهيم الأساسية، التي ميّزت حركة فتح، وجعلتها رائدة جاذبة ونافذة وعظيمة، ونعني بذلك مفاهيم التعددية والحريّة والاستقلالية، جنباً إلى جنب العطاء غير المحدود والتضحية البليغة، في جميع مراحل ومواقع النضال الفلسطيني.
وإن مظاهر الاصطفاف والاستقطابات المُمضّة، ستدفع فتح نحو تقسيم "الكعكة" بين الأمراء والمتنفّذين، بدل تغليب الأجندة الأساسية التي ينتظرها الناس، وبدل تمتين فتح، لتصبح أكثر قدرة على المجابهة والثبات، والانطلاق من جديد.
وأشير إلى أن فتح التي نهضت على منجزات وبطولات فذّة وعبقرية، وعلى دماء رموزها التاريخيين ومعاناتهم في الخنادق والمعتقلات، وأن فتح التي تمتلك سرّاً أسطورياً يستطيع أن يجمع كل غبارها المتناثر ليصبح سبيكة صلبة وقت الشدائد، وأن فتح التي تفسّخت، كما يبدو، هذه الأيام، هي فتح التي تتلمّس طريق العودة إلى روحها الأولى الساطعة والجامعة، وتستطيع فتح أن تنجح بامتياز بشرطين لا ثالث لهما، الأول: أن تبقى بوصلتها متجهة نحو القدس، حتى ترفع العلم على سارية الأسوار والقباب، والثاني أن تشيع العدل والميزان في فضائها.
ولعلي أتناول هذا الموضوع لإثارة غير قضية، تنعش الحوار حول المسكوت عنه داخل فتح، وحتى نفتح الأبواب على مصاريعها، ليخرج الهواء الفاسد، وتدخل شمس القدرة على قول كل شيء، دون مواربة أو نقصان، وأول تلك القضايا أن قيادة فتح الحالية، هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل التصدّعات والغياب والتكلّس والتبديد الذي أصاب الحركة، ولهذا لا يجوز أن لا تسمع هذه القيادة رأينا، بعيداً عن الترهيب والترغيب. مع أهمية تمكين الشباب والمرأة والدم الجديد والديمقراطية الحقيقية.. من الوصول والتعبير عن الذات والنفاذ.
إن فتح تحتاج، في داخلها، إلى ما يُسمّى بالكتلة التاريخية، بالمفهوم الغرامشي، حتى تكون هذه الكتلة الخليةَ الصحيّة، القادرة على جذب الخلايا الحيّة، والتي تستطيع أن تحتلّ المساحات البور واليباب في جسد الحركة المُرهق.. على أن تكون ثقافة هذه الكتلة ثقافةَ المقاومة التي تتسع لكل معاني المقاومة، غير المختَزلة في شكل واحد، يتناقض مع جدلية المقاومة والنضال.
وإن حالة الغيبوبة التي أصابت معظم أعضاء قيادات الحركة، أفقياً وعمودياً، وتماهيهم مع حالة الصراع والمناكفة الدائرة على غير مستوى، المتقلّبة كل ساعة، هو الجريرة التي لا ينبغي تكرارها، لأن فتح بحاجة إلى قيادة يتمتّع أفرادها بقدرة على التفكير والإخلاص ونقاء اليد والتواصل والرؤية وإتقان اللغة العربية (صاحبة المروءة)، وغير المجروحة بعلاقة مبهمة أو ملوّثة بارتباطات أو إمكانيات ممجوجة ناتئة! أما إذا لم تتوفّر المساحة النقدية لمحاسبة المسؤولين عن كلّ هذا الإخفاق والضياع، فإن هذا يعني إعطاء الشرعية والمباركة لهم على كل ما اقترفوه بحق حركة فتح، وخطفها، وتوظيفها لمصالحهم الشخصية. كما يعني أن كادر فتح عاجز عن تأصيل مبدأ الثواب والعقاب، وأنه كادر مُستلب سهل الانقياد، يجعجع ولا يطحن، وأنه كباقي الدهماء والظواهر الصوتية الفاقعة المهزومة. أو أنّ الذين استفادوا من الحركة بوضعهم في هذا الموقع أو ذاك، هم الذين قد تحكّموا في كلّ شيء داخل الحركة، ولن يعود مكان للضمائر التي تصرخ بحسرة، من جرّاء هذا العنت والعبودية والخسران.
وقد لا أبالغ إذا قلت إن حالة البؤس التي تعيشها حالتنا الوطنية، ناتجة عن بؤس حركة فتح. وإنّ كلامي هذا لا يغفل الاستراتيجيات الاحتلالية القوية والمتواصلة، ودروها في تخريب ومحاصرة وتهديم الذات الحركية والفلسطينية، ولكن أسأل: أين دورنا في الردّ على غوائل الاحتلال، وخلق الفعل المتناغم والمناسب، والقادر على إبقاء حركتنا حاضرة ومتماسكة، وتمتلك عوامل الصدّ والثبات والإنهاض، وإشاعة الخَلْق والوحدة والطهارة والإيثار؟
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة الخامسة
ولعلنا نستخلص ما ينبغي أن نقوله، على حدّته، هنا، إيماناً منا بأن هذه حركة فتح العظيمة تستحق البقاء، كما تستحق الدفاع عنها، لهذا نسمح لأنفسنا أن نجرح من أجل أن نداوي، فنقول:
1- على فتح أن تُعيد تعريف"فتح" كحركة نضالية باعتبارها التنظيم القائد وليست تنظيم القائد، وتستمد شرعيتها من طرحها النضالي المتعلّق بتحرير الأرض لزاماً.
2- على فتح أن تُحدّد موقعها ومسؤوليتها بالنسبة لكل من السُلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية،وهل هي حركة تحرر وطني أم حزب لبناء السلطة أم التزاوج بين الأمرين؟
3- وعلى فتح أن تقضي على ظواهر القوى والتيارات والوجاهات والأمراء والأجندات وتأثير الأموال،وأن تقوم بحلّ أزمة الأجيال والجهويات،والإنتماء إلى الدوائر الصغيرة،عبر المكاشفة والمحاسبة، بعيداً عن التخوين والإعدام والاقصاء والتهميش،وإقرار قانون المحاسبة بجانب قانون المحبّة والأخوّة النضالية.
4- على فتح أن تعتمد الطرائق التنظيمية / البنيوية التي من شأنها إعادة هيكلة فتح من القاعدة إلى القمة، وهذا يعني استحداث أنماط "حزبية" غير تلك التي أثبتت عقمها وهشاشتها واختراقها.
إن السريّة والتنظيم العنقودي والخلايا،هي مفردات لم تعد قائمة اليوم، وما أحرى بنا لأَنْ نجترح ما يناسب لحظتنا التاريخية المعيشة!
5- على فتح أن تُرمّم صورتها عبر إصلاحها، بشكل عام، حتى لا تظلّ صورة مُتَّهمة وفي دائرة اللعنة والشك.
إن إصلاح واستعادة فتح لروحها وفاعليتها سيرفع من مستوى أداء الفصائل التي تحلّلت وأنكمشت، وسيواجه أيّ خطاب ينأي بنفسه عن الوحدة الوطنية ومصالح فلسطين الكبرى، ويسمح لنفسه بالارتباط بأجندات إقليمية.
6- على فتح أن تستحدث دوائر وهيئات ثقافية وإعلامية وتربوية قادرة على وصل القاعدة بالقمّة، وإحداث حراك ذهبي بين كل الكوادر والعناصر، على اختلاف مواقعهم ومهامهم، لجعلهم يقفون على خطّ واحد.
7- على فتح أن تتخلص من الاستطالات الاحتلالية، أياً كان موقعها ونفوذها، وأن تؤكد على مرجعياتها النهائية التي لا نقاش حولها ولا اختلاف، وهي المرجعيات العربية والإسلامية، وإن أيّ اتجاهات نحو الانكفاء وإدارة الظهر والنكوص لحضارتنا وعمقنا، يجب أن تواجهه فتح بالرفض والإدانة.
إنّ التأكيد على الذات يكون بهدف مواجهة عوامل الإلغاء والتذويب، وليس إستراتيجية للانكفاء والتحوْصل والقُطْرية. لقد أثبتتْ الدول القُطْرية عجزها الكامل في أنْ تحقّق أيّ نصرٍ على الصعيد الوطني أو القومي أو على الصعيد الاقتصادي، ويجب ألاّ يغمرها الإحساس بالاكتفاء بالذات، أو أنْ يوهمها الرخاء أو الاستقرار، الذي هو مرحلي بالضرورة، إذا تعلّق بالقُطْر دون الأمّة.
وهذا لا يعني أنْ نحرق المراحل أو أنْ نكون طوباويين أو مثاليين أو رومانسيين، بل أنْ تظلّ هذه القيمة العروبية أو الجامعة للأُمّة حاضرة.
***
ظل أن نقول؛ إن خطر التفكّك والتسطّح واللامبالاة هو خطر حقيقي وداهم، لهذا على فتح أن يتّسع صدرها لكل وجهات النظر، مهما كانت أو ابتعدت أو خالفت أو اختلفت، وليكن الحوار، والحوار وحده، فقط هو اللغة الوحيدة السائدة والمقبولة والمتَّبعة، ولا لغة غيرها، وذلك حتى يكون هذا صمّام الأمان أمام محاولات الحرَدَ والزعل واللامبالاة والتفجير. لهذا نتمنى على القائمين على فتح، ألاّ يتيحوا المجال لطرف كي يفرض وجهة نظره أو مداخلته أو أجندته والجاهزة سلفاً! وخصوصاً أن ثمة قضايا كبرى، يتمّ تداولها..ولا يجوز معها الإنجرار نحو الصغير والمبتذل، كما لا يجوز معها التعنّت وتجميع عوامل الضغط لحسم وجهة نظر على حساب أخرى.
ولا يغيب عن بال أحد،أن ثمة مشروعاً إقليمياُ كبيراً وقوياً، يدبّ بحمولته الداهمة، ويستبيح كل شيء، ويسعى، ضمن ما يسعى إليه، إلى تفريغ حركة فتح من محتواها الوطني والحضاري والإنساني، لتصبح أداةً طيّعة، تساهم في ترتيب المشهد القادم، الذي سنكون على هامشه، ولا حضور لنا فيه. علاوة على أن كل الضغوطات التاريخية، والممّرات الإجبارية التي وجدت فتح نفسها مضطرة للدخول فيها، وكذلك هوامش الخطأ والسلبية التي تنامت على ضفاف الحركة..كلّها عملت على تغييب فتح وضربها وتخلّيها عن أهدافها، ووصولها إلى ما هي عليه، استطالةً لن يتعاطى معها أحد، ما لم تثبت انسجامها معه ومع تطلعاته المعاكسة لتطلعاتنا، وإلاّ فإنها ستتلقّى المزيد من التهميش والتفتيت والتراجع والتغريب، ما يجعل كل كوادر فتح على بيّنة مفادها أننا أمام امتحان ستكون فتح من بعده، إمّا حاضرة بروحها الأولى، أو مُلقاة على رصيف الفراغ العاجز والتلاشي.
وإن فتح التي تدرك أخطاءها بوضوح، دون تجميل أو إنكار، لكي تضع البلسم المطلوب لكي لا تنجرح ثانية بالهزيمة أو العجز. هي التي عليها أن لا تلعب في داخلها لعبةَ المرايا المتقابلة،التي لا ينعكس فيها إلا اللاشيء، أعمى يقود أعمى..فكلاهما يقعان في حفرة. ويعجبني ما قاله الروائي نيقول كازانتازاكس"الخطأ الوحيد الذي يمكن معالجته هو الذي نعترف به".
إن كل شيء، وبالذات المتناقضات، تتساوى، في زمن الأزمة والتراجع والانهيارات، وكذلك تنمحي الفروق والخصوصيات، أي أن المناضل في زمن الجَزْر والانكسار يتساوى بالمتنازل والبائع. إن وجهات النظر المتعارضة، تجد كل منهما لنفسها مرافعة وجيهة، تصدّ بها مرافعة الأخرى، حتى يجد المرء نفسه حيراناً ضائعاً أمام براهين الطرفين المتغايرة، ما يؤكد أن وجهة نظر المُفاوض لها قوة وجهة نظر المُقاوم، في زمن الارتباك والهزيمة. عدا عن أن المنطق السائد سيقول بأن هاتين هما وجهتا نظر، لا فضل لواحدة على أخرى، ولا يمكن إدانة واحدة وتشريف الثانية. وهذا ما يجعل المهمة أمام فتح صعبة إلى حدّ كبير، ما يعني ضرورة التروّي قبل الحسم، والتدقيق في المصطلح قبل رفع الأيدي بالموافقة أو المعارضة.
وعلى حركة فتح أن تدرك أن الجمر الساكن تحت الرماد ما زال متّقداً، ويصلح لأن يدبّ ثانية في لحم العتمة، ليسيل النهار فتيّاً من جديد، رغم إثقال الزمن الفلسطيني بكل أسباب البطء والموت والتخلّف والتشظّي والحرمان والقهر والحصار.
وقد يبدو أن ثمة تجليات للهزيمة بادية للعيان،لهذا فإن فتح مدعوّة لمواجهة ذلك، بعد إدراكه وتفهّمه، ووضع العلاجات الأكثر مناسبة، للبدء بتأريخ جديد، تبدأ معه فتح تاريخها الحديث، وانطلاقتها الجديدة.
إن حركة فتح،التي حملناها وحملتنا، لا يمكن لنا أن نؤكد على هويتنا الوطنية الفتحاوية بالقول: "لسنا قطيعاً من نعاج أو دجاج" لأن هذا تأكيد سلبي للذات! بل نقول نحن القادرين على قول ما يجب قوله، ولو من باب "أضعف الإيمان"، ما دمتُ، أنا على الأقل، غير قادر على التغيير باليد والمباشَرة.
وعلى كوادر فتح أن يقدّموا إشارات ظاهرة، تؤكد أنهم قادرون على إحداث فَرْق ملموس. وأن الخيارات، ومهما انعدمت، ستكون مبذولة وممكنة. وأن بعض الشخصيات أو القضايا، التي يعتبرها البعض قَدَراً لا مفر منه، ليس أكثر من وَهْم مُخاتل، وكومة قش سرعان ما تترمّد، أمام عود ثقاب الحقيقة والإصرار، والتحرّر من الخوف أو الرغبات.
وأن "الواقعية" التي بآسمها يريدون الذهاب بنا إلى مهاوي التخلّي عن المبادىء والأصول والثوابت، ما هي إلاّ قراءة عاجزة، واستسلام للأمر الواقع، وفرض ما هو قائم كأنه قضاء مبرم، لا فكاك من رفع الراية البيضاء أمام جبروته وأثقاله.
لكن فتح الغلاّبة لم ترفع يوماً الراية البيضاء، ولم تعلّم بنيها أن يفعلوا ذلك المُنكر، ولا يليق بفتح إلاّ أن ترفع راية الوحدة والمثابرة والانعتاق.
وحركة فتح لا زالت تستطيع أن تنتصر على أزمتها الذاتية لتصبح قوّة طليعية مرّة أخرى، وقادرة على تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، من جديد، على أُسس تعترف بالمكوّنات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، وهي لا تحتاج كغيرها إلى مراجعة ذاتية، باعتبار فتح حركة تمتلك طاقة براغماتية عالية نافذة، بحيث تستطيع أن تُسوِّق مواقفها، ذات المحتوى الوطني، بسهولة، أعلى نسبياً من غيرها، من الفصائل والقوى الأخرى. وربما كلّ ما تحتاجه فتح هو الانفكاك من الحمولات الزائدة، والارتباطات المعيقة، والعودة إلى روح التضحية، ليس بالنَّفس فقط، وإنما بالامتيازات والمصالح والشوائب التي علقت بها.
ويمكن تلخيص أهم الأسئلة التي تتقدّم نحو فتح، أو ما يشكّل تحدياً لها، من قضايا عسيرة، يتمثّل فيما يلي:
1- إن ما كان يصلح من لغة وخطاب قبل ستين سنة لم يعد يصلح اليوم، لأن المسائل التي تصدّت لها، وصُمّمت من أجلها فتح لم تعد هي نفسها اليوم.
2- لقد تعرّضت فتح لعملية إفساد مُمنهجة بدأت منذ عقود من قبل قوى إقليمية ودولية وعربية، إضافة الى عملية احتواء وتدجين، وتجريف وتفريغ لمحتواها الوطني والثوري والثقافي والتطهّري، ما جعل هوامش السوء والنتوء تحتل مساحات كبيرة داخل فتح.
3- إن الهدف الذي وضعته فتح لنفسها عند انطلاقتها كان يتركّز حول تحرير الوطن، لكنها اليوم تجد نفسها قد انغمست في إقامة السلطة الوطنية ومشكلاتها وقضاياها، إضافة إلى الانخراط الإجباري في حراك العمل الإقليمي، ما جعل سؤال التحرّر وبرنامجه يتأخّر ويتخفّى.
4- لقد هرمت حركة فتح، التي لم تفسح المجال للأجيال الشابة، بما يكفي، لأنْ تنسرب في شرايينها، ما جعلها حركة "قديمة" من حيث القيادة والأدوات والتفكير.
5- إن الهيكل الذي قامت عليه فتح لم يعد يصلح اليوم من حيث الاستطالات والأذرع التنظيمية والمواقع، ما جعلها في مواجهة أزمة بنيويّة عميقة مركّبة وشائكة.
6- لم تستطع حركة فتح أن تجدّد خطابها، الذي ينبغي أن يجيب على تساؤلات اللحظة، بقدر ما نجد خطابات متعددة ومتناثرة ومشتتة للحركة، ما ينفي وجود نصّ متماسك حداثي جامع وقادر على المجادلة والنفاذ والتأثير.
وعلى الجميع في الحركة، وخاصة اللجنة المركزية والمجلس الثوري، أن يعتمد ويُحَكِّم النظام الفتحاوي لحسم مسألة العضوية أو الفصل أو أي أمر آخر، وأن نشهد سلامة الإجراء، ونبتعد عن موضوعة تشكيل القوائم والمرشحين في المؤتمرات أو الانتخابات القادمة، من خلال إنهاء سياسة التهميش والاقصاء ووضع معايير منصفة وعادلة لاختيار المرشحين، بغض النظر عن ما هي الانتخابات المقصودة..ما يحول دون تشكيل قوائم متعددة من أعضاء الحركة، بعيداً عن المصلحة الشخصية الغالبة، بغض النظر عن مبرراتهم، أو من القيادات التنظيمية، خاصة اللجنة المركزية، التي بدت وكأنها تختار وفق التوازنات الداخلية بين أعضائها أو استبعاد مَن يختلف معها أو لا يروق لها!.وإن تعدّد القوائم "الفتحاوية" في أي انتخابات تشريعية أو عامّة إنما هو تعبير عن "أزمة" ينبغي التبؤّر فيها وسبر غورها ومعالجة أسبابها.. بعيداً عن مفردات التخوين والإعدام والطرد والإقصاء، وهذا لا يعني الإقرار أو إعطاء أيّ مسوّغ للخروج على وحدة الحركة.
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة السادسة
إن ما تمّ تسويقه كسلطة وطنية، ليس سوى سلطة بصلاحيات مفوّضة من المحتلّ ضمن ولاية متُفق عليها، كان مجرد القبول بذاك التفويض إضفاء شرعية على سلطة الاحتلال التي لا شرعية لها، والتي مارست صلاحيات إدارة الأرض المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بعد الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية، بالأوامر العسكرية، بعد أن نقلت لنفسها صلاحيات الحكومة الأردنية في الضفة، والإدارة المصرية في قطاع غزة، بالأمر العسكري رقم"2" خلافاً للقاعدة الآمرة بالقانون الدولي التي تنص على "عدم جواز حيازة أرض الغير بالقوة"! والسلطة الفلسطينية لم ولن تبلغ حدّ ممارسة الحكم استناداً لمرجعيته الشرعية، ما لم تنفض عنها أسمال ذلك التفويض.
لقد تم تعطيل سُلطة الشعب وإرادته، فكل أشكال البُنية الديمقراطية للنظام غير سويّة، وغير مكتملة، بل لا يمكن ادّعاؤها أو تسويغها أو التعديل عليها، أو البناء على أساسها. كما لا يمكن الركون إلى إمكانية التراكم على أيّ بناء لا على مستوى منظومة الحكم، ولا على مستوى التنمية الوطنية أو الاقتصادية، فكل شيء مرهون بإرادة المحتل وموافقته؛ الموارد والحدود والحركة، الماء والكهرباء والشوارع وحيز البناء والسكن، ورواتب الموظفين، ومصادر رزق الناس..ظلال الاحتلال السوداء والثقيلة تغمر وتستبيح كل شيء وتخرّبه، وتخلق مناخاً طارداً للاستثمار والتقدم والنماء. وبالتالي؛ فإن التشدّق بإنجاز العديد من المشاريع، ما هو إلاّ ادّعاء في غير مكانه، وتضخيم للهوامش والنتوءات، وتصدير للوَهْم والسراب.
لقد اكتملت عملية التضليل في المفاهيم والرموز في حالتنا الفلسطينية، بمعنى أننا استخدمنا مصطلح "سلطة وطنية"، فيما الولاية المُتّفق عليها هي "سلطة"، فقط، في ظلّ "دولة" أخرى هي دولة الاحتلال، باعتبارها مصدر الولاية، غير أن تلك الولاية تم حيازتها بسلطة القوة وليس بسلطة الشرعية أو من مصدرها.
واستخدمنا مصطلح "سلطة تشريعية" بينما المهمات التشريعية مُوكلة للسلطة في حدود الولاية المُتفق عليها وليس في مطلق إرادة الشعب، فليس للمجلس التشريعي (المُنحلّ) أن يسنّ قانوناً يتعلق بالاستقلال الوطني، لا بل بممارسة صلاحيات خارج منطقة وحيز التفويض ذاك، ما يسمى المنطقة "ج" سواء كانت تلك الصلاحيات مدنية أو أمنية.
واستخدمنا "سلطة تنفيذية" بينما الولاية المنقولة إلينا ليست أكثر من ملفّات، وبالتالي هي سُلطة إدارية مُفَوَّضة! وإلاّ فكيف نفسّر وجود الإدارة المدنية، ومناطق أ،ب،ج..؟
واستخدمنا مفهوم الأمن الوطني، ونحن لا نملك أو نسيطر على الأمن القومي (الحدود، المعابر، الأجواء)، ولا نملك السيطرة على الأمن الوطني (التموين، الكهرباء، الاتصالات، الأرض، المياه، الطرقات)، ولا نملك إلاّ وظيفة أمنية محدودة في الجغرافيا - مناطق أ- والمجالات الاجتماعية والجنائية..وحتى في هذه لا الأفراد ولا حيز الولاية مطلق ولا يوجد ولاية قضائية بالمعنى الدقيق، لا على الأفراد ولا على الحيز، فليس للسلطة الفلسطينية ولاية قضائية لا على المستوطنات ولا على المستوطنين المتواجدين في الضفة الغربية، ولا على الاسرائيلين الذين يتحركون فيها، بل ولا على كل الفلسطينين، فالقدس والمقدسيون خارج الولاية القضائية أيضاً.
ناهيك عن الوظيفة الأمنية، التي تشكل أحد الأسس الثلاثة للولاية المتفق عليها، فبعد أن عطّل المحتل الأساس الأول وهو الأساس السياسي، وسيطر بشكل مطلق على الأساس الثاني وهو الاقتصادي، جعل الأخير وهو الأمني خدمة وحماية لوجوده واستمرار لاحتلال أرضنا، بينما يفتقد الفلسطينيون الأمن وتستباح حياتهم وبيوتهم وممتلكاتهم من قبل المستوطنين المحروسين من جنود الاحتلال، ولا تستطيع السلطة أن توفّر لشعبها أدنى مستويات الحماية، ولسان قيادة السلطة يطلب من المواطنين الفلسطينين حماية أنفسهم! ورغم كل ذلك فإن موازنة الأمن هي الأعلى في الموازنة الفلسطينية!
كما غلب على الأداء الفلسطيني الارتجال المدفوع بمصلحة فئة ما، خاصة بعد استشهاد الرئيس عرفات، علما أن هذا لا يعفي تلك المرحلة تماماً من خلق حالة الإلتباس في المرجعيات الاستراتيجية، فمصدر شرعية الحقوق للفلسطينين على أرضهم يتكون من أساسين؛ الحق التاريخي والشرعية الدولية، إن تجاوز التأكيد على المكونين واستبدالهما بصياغات عامة أخلّ بالأساسين، وخلق حالة التباس، منحت الاحتلال حق منازعتنا على كلاهما، على التاريخ والرواية التاريخية وعلى الأرض والشرعية القانونية، ووضع الحالة وكأنها أرض متنازع عليها بدل أرض محتلة.
لقد خُلقت حالة من الالتباس السياسي التي تتعلّق بالرؤية والاستراتيجيات السياسية، التي من المفروض أن تخدم الأهداف والغايات الوطنية، وتسعى إلى تحقيقها، وتتجلى مظاهر الالتباس في:
- إضعاف مكانة المرجعيات الشرعية والقانونية في الاستراتيجية السياسية الفلسطينية، والتي هي بالأساس القوانين والقرارات الدولية الضامنة للحقوق والغايات الفسطينية "قرارات 181 و194 وبنود القانون الدولي المتعلقة بحقوق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال".
- التباس الأدوات، وعلى رأسها المفاوضات، إذ كنّا نفاوض أحياناً في ظلّ استمرار الاستيطان، ثم نتحدث عن تجميد الاستيطان كشرط أساسي، وحتى في هذه لا يبدو أن لنا خطاً سياسياً واضحا وحاسماً، يقدّم صيغة فاصلة في هذا الشأن.
- الالتباس في الأداء، بحيث يبدو أداؤنا أقرب إلى ردّة الفعل منه إلى الفعل والرؤية والتخطيط، فعلى سبيل المثال نتبنّى خارطة الطريق، ثم نذهب إلى أنابوليس، ثم ننتظر خطاب أوباما، ونقع في حيص بيص، وتُعرض علينا خارطة الطريق ونرفضها بحقّ..ثم نُبدي استعدادنا للمفاوضات دون شروط، ثم يرفض الاحتلال مقابلتنا! ويبدو ردّنا عليه متأخراً ومرتبكاً، ونرجع إلى اللجان العربية، ونتوه في مفهوم الذهاب إلى الأمم المتحدة، ويلتبس منطوقنا إلى حدّ قبولنا فعليا بما هو موجود..إلخ، ثم نُعطي الاحتلال مهلة عام للانسحاب..ولا نفعل شيئاً لنحقق إنذارنا! ونطالب حماس بالاعتراف بشروط الرباعية ولا نطالب إسرائيل بذلك! أي أن أداءنا لا تحكمه رؤية مسُبقة أو حتى خطوط عريضة لاستراتيجية محددة ومتفق عليها وطنياً.
- التسليم بإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني، على أسس مطواعة، تركز على الصراع المدني، وتبتعد عن الصراع ضد الاحتلال، من خلال فتح بواباتنا على مصاريعها لإنشاء المنظمات غير الحكومية، التي بات معظمها يشكّل لُحمة المجتمع المدني الفلسطيني، بأجندات المموّلين وأفكارهم وأولوياتهم، ما يعرّض المؤسسة الفلسطينية للتطويع واستدخال الهجين الغريب والخطير، إلا من البعض الذي لم يعد الاحتلال يطيق بقاءه ممن هم خارج تلك الأجندات.
كل ذلك أدخلنا إلى حالة من العجز السياسي والنضالي والوطني، وأفقَدنا الكثير من مصادر القوة، التي هي في حالة توفّر دائم، ولم يتمّ نفيها، لكننا عطّلنا استخدامها وتوظيفها في سبيل تحقيق غايات لا يمكن أن تكون متعلّقة بالتحرير، ولا يمكن تفسير ذلك إلا كبيع للوَهْم مقابل الحفاظ على وجود سلطة لا تملك من أمرها إلا فتات الأمور.
والمقصود بمصادرة القوة؛ طاقة الشعب الفلسطيني، الذي تم إخراجه من معادلة المواجهة وإغراقه في اهتمامات وهموم أخرى. وكذلك طاقة القوى المنظمة في الشارع التي امتلكت الخبرة وعجنتها ميادين الصراع، وأعني الفصائل الفلسطينية، وكذلك طاقة الجماهير العربية، التي لم تعد تعرف ماذا نريد على وجه الدقّة، وكذلك طاقة القوى الدولية المُساندة، التي التبست أهدافنا في ذهنها..رغم تعاطف شارعها مع ضحايانا، ولم نفد كثيرا من هذا الحراك أو نعمل على مأسسته..
ثمة حالة عجز واغتراب، وتشوّيه البنى الفكرية والثقافية للأفراد والجماعات، وضياع المهمات، عدا أن الاغتراب يعطّل الطاقات، ويدفع الفرد إلى الإحباط أو البحث عن الخلاص الشخصي، ما يعمّق تجليات الارتكاس والذبول والتراجع في مجتمعنا، التي تتمثل في تمزيق الذات، وإهانة الرموز، والانتماء للدوائر الصغيرة، واعتماد اللغة النهائية، والتشبّه بالجلاّد، وتقطّع المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، وتعدّد الأولويات، وتشقّق الملامح في الشخصية الفلسطينية..إلخ، ما يستوجب وضع استراتيجيات خلّاقة تخرج عن النمطي والمعتاد والرتيب، تشمل كل مكونات الصراع ميدانياً وسياساً ثقافياً وتربوياً وفكرياً وإعلامياً، لاستعادة التوازن الجَمْعي، وضبط الإيقاع العام للشعب الفلسطيني، بما يضمن حقوقه وثوابته التاريخية ووحدته، ويحرس أحلامه وتطلعاته، وكيف لهذا أن يتم في غياب المناهج والرؤى، وتفريغها من محتواها الوطني والمعرفي والنضالي والحضاري، ما ينبئ بأجيال لا ذاكرة لها أو تترنّح في فراغ العدميّة؟
باختصار؛ فإنّ المجتمع الذي يكون قد فَقَد الكثيرَ من مناعته وحصانته الأخلاقية، يصل إلى شكل من أشكال الهزيمة. ونستدرك لنقول؛ إن المجتمعات الحيّة، ومنها المجتمع العربي، لا يمكن أن تصل الهزيمة فيه إلى حدّ أن يَرْفَعَ الرايةَ البيضاء، لكنها تكون هزيمة نسبيّة أو مجازيّة ومرحليّة بالضرورة.
وأعتقد أن المجتمع لما له من قوة (اجتماعية وأخلاقية) يظل قادراً على إنتاج الرادع والكابح أمام الانفلات الكامل، لكن مسألة النهوض لا تتم بالتلقائية التي يعتقدها البعض، بل لا بد لها من روافع وطلائع وتضحيات .
فالمطلوب هو؛ الوحدة. أن نتحرّر من القيود التي كبّلت أيدينا، وعطّلت قوانا وأدواتنا، واعتبار خيار الوحدة والمصالحة خياراً استراتيجياً وأولوية قصوى، والتوجّه إلى المصالحة بقلب وعقل صادقين وحقيقيين، بعيداً عن أي حسابات، لأننا لا يمكن أن ننجز عملية التحرر الوطني دون إنجاز الوحدة. وإعادة تعريف المهمة الأساسية للشعب الفلسطيني باعتبارها مهمة تحرر وخلاص وطني أساساً، وليست إدارة حُكم مجزوء ومنقوص وبشروط الاحتلال والمموّلين. وإعادة بناء رؤيتنا الاستراتيجية لعملية التحرر الوطني في ظلّ التغيرات الإقليمية الهائلة وضمن مناخات الثورات العربية، والحروب التي تتلاطم من حولنا، بما يتضمن وعياً جديداً للإمكانيات والأدوات وتوظيفها في عملية التحرر. واستعادة وإبراز المرجعيات الضامنة لحقوق الشعب الفلسطيني والارتكاز إليها في صياغة البرنامج السياسي الوطني، الذي يجب أن يكون الأرض الراسخة للوحدة الوطنية ولتكريس المصالحة بمعناها العميق. وتطوير أدواتنا النضالية بما يلائم المهمة والمناخ الإقليمي والدولي. وتحرير الفرد من القيود الفكرية والثقافية والمعيشية التي عطّلت واستلبت قدراته، والمقصود باستعادة المهمة الأساسية، وهي التحرر الوطني، تقديمها على أي مهمة أخرى، حتى لو كانت مهمة الحكم، فإن لم يكن ممكناً توظيف مهمة الحكم في مهمة التحرير، يجب أن لا يسمح أن تكون مهمة الحكم معطلة لمهمة التحرير، فإذا كانت السُلطة أمرا واقعا، علينا أن نحررها من كل القيود التي تجعلها أداة معطلة للتحرير، أو أن تكون جزءا من منظومة المحتل للسيطرة على إرادة الشعب الفلسطيني، ما يعطل مهمة التحرير. إن هذا الفهم هو المدخل الحتمي للانتقال، في الواقع، من صيغة التعايش مع الاحتلال إلى صيغة مقاومة الاحتلال، وغير ذلك ليس سوى إرادة مجموعة تستبدل الحكم في ظلال الاحتلال على التحرر منه. إن هذا يعني تغير كامل بالمهمة الرئيسة للحكم أو استبدالها، من خلال فكّ ارتباطاتها وتعاقداتها مع دولة الاحتلال، وتحويلها إلى منظومة حُكم فلسطيني يخضع لإرادة الشعب المقاوم، حتى أثناء الاحتلال وخلال عملية النضال من أجل إنهائه، وذلك بمحاربة الفساد واعتماد الشفافية وفصل السلطات، والتصرّف كدولة تحت الاحتلال بكل ما يعني ذلك من متطلبات، كالحصول على الاعتراف الدولي والعضوية الكاملة في الأُمم المتحدة، بما لا يخضع لإملاءات وشروط وتهديدات المُحتلّ وحلفائه، لأنّ العالم، اليوم، هو أوسع مما كان، وقد أبدى اعترافا متقدما نحونا..وأعتقد أن الموقف الأمريكي يتغير من قضيتنا بقدر ما نفرضه من حقائق وجودنا الوطني والسياسي على الأرض..ولا مناص من الذهاب إلى اشتباك سياسي، واعٍ لكلّ طاقاتنا وللمتغيرات الإقليمية والدولية، يبدأ هنا على الأرض، بحيث نجعل من كلّ كبيرة وصغيرة موضوعة اشتباك مع المحتل؛ بدءا من غزة وأهوالها، ووصولا إلى القدس، والاستيطان، ومخيمات اللاجئين، والتعليم، والماء والكهرباء، والسكن والطريق، والحركة ورعاية الطفولة والحريات السياسية والعامة، وحق تقرير المصير..يكون اشتباكا فاعلا تشارك فيه كل فئات الشعب، لأن الاحتلال لا يواجَه بنمط العيّنات، أي مواجهة هنا وأخرى هناك، على تباعد من الأوقات، بل مواجهة شاملة على كل مساحة الأرض وفي كل الموضوعات، لحصر مشروع الاحتلال المُناقض لكل القوانين الدولية وإنهائه.
إن التأويل الحصري، أو القراءة الواحدة المكرورة والمفروضة، لا يسهمان في تنوير الشعب وتحسس قضاياه وإدراك مهابطه ومكامن قوته، مثلما يعرقلان الخطوات الملهوفة الباحثة عن مخارج تصلح لضمان حياة الشعب ومصالحه وقضاياه، كما أن إعدام القراءات الأُخرى للواقع السياسي الفلسطيني أو الإقليمي يؤدي إلى التحجّر والتلقين وسيطرة رأي أصحاب المصالح والأهواء، ويُبقي الحياة مهملةً في سلّة المتنفّذين.
وإن إقحام"المصلحة الوطنية" أو توزيع الصفات السلبية "السوداوية والتشاؤم والتطرّف والإحباط واليأس والترهيب" كورقة نافذة ورابحة وذات تأثير، للتأليب ضد النقد والتمحيص والحفر وإضاءة ما يخفى، هو قمع مقنّع، وإضمار لإخراس المختلِف الوطني، وإعدام للرأي الآخر الحريص.
حركة فتح، في انطلاقتها؛
عَود على بدء
المتوكل طه
***
الحلقة السابعة
لقد هجس الكثيرُ بفكرة "الإصلاح". حسناً! لكنّ فتح، تاريخيا، ليس لديها ثقافة "المراجعة" و "النقد" و"التجاوز"..فهي إطار فضفاض، سياسيّ وطنيّ، وتحمل جينات "العَشيرة" الممتدة، بسجاياها وملامحها وخطابها وعصْبتها. من هنا؛ ينبغي البحث عن طرائق إصلاحية، من خارج الصندوق، وبآليات غير معهودة. لأننا في فتح، مثلنا مثل الحالة الوطنية كلّها، نعمل ونتحرّك تحت الشرط الاحتلاليّ الصارم، وتحت مِجْهَرِه المُحبِط، المُعادي لأيّ إصلاحٍ أو تنمية، وعلى كلّ المستويات. وعليه؛ كيف سنجيب عن سؤال "انتفاء إمكانية الإصلاح تحت الاحتلال"؟. وقد يزعم قائل "بأن الاحتلال ليس قَدَرا" وبإمكاننا إجراء النهضة المطلوبة..وهذا رأي ذو وجاهة، لكنه مُحاط بألغام وظلال ثقيلة..
طيّب! لماذا لم تجرِ المراجعات والاصلاحات، إذن؟ هل لأن فتح "مُختَطَفة" من مجموعة بعينها؟ فإنْ كان هذا صحيحا، فإنه يدلّل على أن فتح، بكلّ حمولتها وكوادرها، حركة هشّة ويمكن التلاعب بها، ولا تستطيع إرجاع حقّها لقاعدتها!
أم أنّ غياب الرؤية، هو سبب تراجع فتح وتقلّصها وبروز النتوءات فيها؟ فإنْ كان كذلك، فإن الكثيرين قد دبّجوا كُتبا ودراسات ومراجعات، وعقدوا اجتماعات، ورطنوا بالحَلال والحَرام..لكنّ أحدا لم يأبه، ولم يسمع..كأننا ننادي في أودية بعيدة! وهنا أُسجّل لفتح ديمقراطيتها وسَعة صدرها لكلّ ما يقال..وهذا دليل عافية وميزة رائعة ومسؤولة. والحرية حقّ، وليست مِنّة. ولكنّ هذا اللغط سيخلق حالات ناقمة مُتغايرة، تشحن اليأسَ والإحباط، وتزيد من الشائعات والانفلات..فإلى متى سنظلّ نجهش بالكلام، ولا من مجيب؟ مع أننا أعلنّا بوضوح بأن إصلاح فتح، والمنظمة طبعا، يجب أن يكون من داخل فتح، وفي الوطن، بعيدا عن ظلال الجغراقيّات البعيدة والقريبة. وسمعنا ردّة الفعل التي اتّهمت مَن نادوا بالإصلاح، من خارج الوطن، بأنهم يسعون لخلق البدائل المرفوضة، وإحداث تشويش مُوجّه، يأتي على المُنجزات التاريخية، ويجعل الورقة الفلسطينية مرهونة في إيدي أصحاب المال والنفوذ..مع أنّ نصف شعبنا في اللجوء، والاحتلال يحيط بالظاهرة الفلسطينية، ويحاول تركيب "الليغو" الفلسطيني كما يريد. ما يوجب الشروع بحوار مسؤول مع الجميع، وسماع مرافعتهم، وتبيان المخاوف، حتى نحافظ على وحدة الحركة المتشظّية، ولكي لا نترك الجيوب "الحردانة"، تخرج وتؤسّس لتيّار جديد، يعمّق التفتيت والانفلاش.
طيّب؛ إذا كنتم، يا لجنتنا المركزية ويا مجلسنا الثوريّ! ترفضون الإصلاح من الخارج، وهذا منطقيّ، وترفضون الإصلاح من الداخل، ولدينا المقترحات، ولا تحرّكون ساكناً..فما العمل؟ هل تريدوننا أن "نحكي" و"ننفّس" عن حالنا..ويا دار ما دخلك شرّ. وتراهنون على منطق القبيلة، وعلى لغتها الثنائية والنهائية، وعلى الاصطفاف المُنَقّى والمُعدّ سلفاً، وعلى عصا الترهيب وجَزَرة الترغيب؟
إذا كان الأمر كذلك، فثمّة كارثة فتحاوية، على كافة الصعد، تُنذر بنهايات مفجعة ودراميّة، ستجرفنا بدوّامتها..أو أنّ "الآخرين" سيعيدون هندسة فتح على قدْر مصالحهم، وبمفردات لامعة، يتمّ إعدادها وتنميقها، لتكون نافذة وحاسمة. وخصوصا أنّ فتح ليس لديها شخصية فكرية أو هوية سياسية ثابتة، إذ تتشكّل ملامحها تبعا لكلّ مرحلة، ليس بسبب غياب الأيديولوجيا، بل لأنها حركة الشعب العامّة والرّحبة، التي لا يقيّدها قيد، ولا يحدّها إطار. فهي براغماتية إلى حدّ صادم. وهي ثورية جامحة إلى درجة مدهشة. وعلى رغم ما تقوله حول الثوابت، لكنّ حركة فتح لا ثابت عندها، إلا أُفقيّاً، والدليل أنها عند انطلاقتها، كان ثابتها تحرير كلّ الوطن. وبعد سنوات، رأينا ثابتا جديدا هو "دولة في حدود حزيران67"، ثمّ تناسل ثابتٌ آخر يزعم قبوله بدولة قابلة للحياة، يعني؛ على حدود ال67 مع تعديلات مقبولة! كما إن حركة فتح، اليوم، أشبه بالغُبار العظيم، لكنها ليست سبيكة صلبة متماسكة ومشدودة الأطراف..وهذا سلاحٌ ذو حدّيْن! لماذا؟ لأن هذا يمدّها بمرونة، وقدرة على التموضع والاصطفاف السريع، وقت الحاجة، في الحيّز المُتاح، بمبررات مصطنعة ومدفوعة. كما أنه يُفْقدها الثِقَل المطلوب، لأيّ تنظيم، حتى يكون وازِناً، على المستوى الفكري والوظيفي والوطني والسياسي.
إنّ فتح اليوم؛ ليست فتح قبل ستين سنة، ما يوجب ضرورة إعادة تعريف ذاتها، من جديد، لتجيب على أسئلة حارقة، لا جواب عليها حتى اللحظة، وهي؛ سؤال التحرير، باعتبارها حركة تحرّر. وسؤال تعالُقها مع السلطة، وأين موقعها المتمايز معها. وسؤال البُنية والهيكل، الذي لم يتبقَ منه سوى الشكل البرّانيّ، دون مضمون وخطاب وفكر وموقف. عداك عمّا يتقدّم نحونا من استيطان ومستوطنين مُنفلتين، وما يتوالد من فظاعات احتلالية تستهدف الإبادة، بشقّيها؛ الماحق في غزة، وإبادة الإرادة ونهب الأرض في الضفة..مع ما تفجّره الأزمة الاقتصادية، ومع ما يجرّه انغلاق الأفق الوطني والسياسي والماليّ، من ردّات فعل غاضبة مُتوَقّعة!
ونرى بوضوح؛ أنّ لُحمة فتح تبنّت قرارا جعلها تنأي بالنّفْس، عمّا يجري، بدعوى تراها حكيمة، إذ ليس لنا قِبَل بالمواجهة، وحفاظا على بقائنا وما لدينا. وهو قرار بعيد عن الهياج العاطفيّ والشعبويّة وألاعيب الساسة، لكنه أحالنا إلى ضحايا سلبيين، نُضرَب ونُنتَهَك ونُحْرَق ونُجَوَّع..ونصمت، حتى لا يُبهظنا الاحتلالُ، أكثر، أو يجد ذريعة للانقضاض علينا، ويخسف بنا الأرض.
ماشي يا سيدي! فلماذا يغيب الخطاب السياسي، الذي يوضح للناس الحقيقة والقرار..حتى لا تسود الشائعات السوداء، أو التردّد الرجراج الخطير؟
وقيادتنا، مع هذا، تُجري إصلاحات مطلوبة! فلماذا لا تُبادر وتُجري إصلاحات من عندها؟ أم أنّ الإصلاح ينبغي أن يكون إكراهيّا ومفروضا، من الخارج، وعلى مقاساته؟
إنّ الخروج الآمن مما نحن فيه؛ لا يمكن أن يكون إلا بقرار عمليٍ، تسارع القيادة لاتّخاذه، يقوم على درء المفاسد، ومواصلة المحاسبة، والقضاء على هوامش السواد، وفتح حوار جدّيّ، بسقف زمنيّ وبأجندة محددة، وعلى أرض قانون المحبّة الحركيّ..حتى نسوّغ دعوتنا بأنّ الإصلاح، ممكن..من الداخل وفي الداخل، وبإشراك مَن بالخارج بآليات التواصل الحديثة. وعليه؛ أدعو إلى تشكيل لجنة من مائة شخصية فتحاوية، ومن كلّ التخصصات والمواقع والجهات، بعيدة عن المصلحة والهوى، ومن خارج أصحاب المُدْخلات، ولا موقع لهم تنفيذيّ أو مصلحيّ..ولا يخرجون من اجتماعاتهم إلا بالدخان الأبيض.
إن المسؤول عن إنفاذ رغبات أبناء الحركة؛ هي اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لا غير! لأنهم يمثّلون القيادة التي يجب أن لا تكتفي بالشكوى، وإسقاط عجزها على غيرها، والتلّهي بالفُرجة اليائسة. وأعجب أنهم يحيون أيامهم برتابة، وكأنهم لا يرون ما نرى، ولا يعانون مما نعاني!
القيادة تعني المواجهة، وعدم الخوف والبكاء، وعدم الاقتصار على نيْل المكتسبات..وإدارة الظَهر للجموع، والاكتفاء ببعض الترتيبات الشكليّة المجزوءة، والعمل قطعة قطعة، والمناكفات، وتصدير الاتّهامات، وإرضاء مجموعة متماهية، على حساب الكلّ.
وتذهب فتح، أو أيّ جماعة مأزومة، إلى آليات التعويض، بمعناها النّفسي والاجتماعي؛ فتصوّر لنا الفوز البسيط في انتخابات..هنا أو هناك، بأنه تحوّل عميق، ودليل على صحّة الأداء. لا يا أخوتي! إنه ارتكاس، وتضخيم في غير محلّه، وإطلاق لسطوعٍ خافت من قاع البئر.
لم تعد اللغة التبريرية مُستساغة. والاحتماء بصعاليك القبيلة لا يعوَّل عليه. والتوهّم بأن الكوادر ستظلّ مخروسة حالة غير سرمديّة. ويبدو أن البعض يشبه الغبار، فإن غاب..سنكتشف الجَمال، من جديد.
وأتمنّى من أعضاء المركزية والثوري أن يتوقّفوا عن تفسّخهم، وإيقاعهم الخارج عن النصّ، إلى أن يُثبتوا أنهم على خطّ المؤسّسين، ويعادلون الرموز التاريخية، الذين كانوا - عن جَد - قيادات..وليسوا غصونا طريّة، متطفّلة على الشجرة، وتميل حيث تريد الريح.
وعلى الصعيد الآخر؛ إذا كان الاحتلال يستهدف الضفة، فهو لا يحتاج لذرائع، سحبناها أو أبقيناها. بلغة أخرى؛ ألا توجد صيغ "حضارية" ممكنة للمواجهة؟ أوَلَم تتوفّر إمكانية لاشتباك سياسيٍّ معمّق وشمولي، ولا أقول عسكريا! حتى يفهم العالَم أننا نقبل بكلّ إجراءات الاحتلال التدميرية، وندير له الخدّ الأيمن بعد الأيسر! أليس في أيدينا أيّ أوراق نضعها على طاولة المساومات الإقليمية؟ معقول أننا بهذا العجز والضعف! ألا نتمتّع ب"قوّة" الضحيّة، وإن كانت سلبية؟
وأكرر القول: إذا بقينا متكلّسين، فسيتحرّك غيرُنا، وسيفرض أجندته علينا..ما يوجب؛ ألّا يبقى المعنيّون ينتظرون "المعجزة" التي لن تأتي. وعليهم ألا يكتفوا بمراقبة حالات الانفراط والترهّل، ومشاهد الفظاعات والتعدّيات الفاشيّة، التي ستدفع الأمور إلى معيار الانفجار العشوائي الساخط. عليهم أن يخطو، وهذا دورهم، إنْ كانوا يعلمون! أليسوا قادة ويدّعون الديمقراطية؟ أليسوا ربّ العائلة، الذي لا يجوز له الصمت على استباحة "العائلة"؟ أليسوا ممثلنا الشرعي والوحيد؟
وعزائي؛ أن مواجهة الاحتلال وحدها هي ما سيوَّحِّد فتح، ويجعلها على خطّ مضيء واحد مستقيم. بمعنى؛ أن الاحتلال الذي سيواصل فظاعاته، سيدفع شعبَنا لأن يردّ بمستوى التعدّي، وعندها ستفاجئكم فتح بقدرتها على النهوض، وعلى حيويّتها ورشاقتها، وكأنها تنبعث من طينها، وستحلّق في فضاءات عالية، وستجترح المعجزة من جديد، وتثبت أن جَمْرها الرّيّان يتوهّج تحت صمت الرماد. وهذا لا يعني أن ننتظر! بقدر ما ينبغي إعمال آليات الشحذ والبعث والنهوض.





