بين ذكرى الانطلاقة والمرحلة الثانية: عودة السلطة إلى غزة كضرورة وطنية

بقلم د. محمد إبراهيم محمد منصور

يناير 3, 2026 - 10:19
بين ذكرى الانطلاقة والمرحلة الثانية: عودة السلطة إلى غزة كضرورة وطنية

بين ذكرى الانطلاقة والمرحلة الثانية: عودة السلطة إلى غزة كضرورة وطنية

بقلم د. محمد إبراهيم محمد منصور
مقرر مفوضية المكاتب الحركية لحركة فتح- إقليم شمال غزة 

"غزة، بما قدمته من تضحيات، تستحق أن تعود إلى قلب المشروع الوطني الفلسطيني، وأن تُدار ضمن إطار الشرعية الوطنية، بما يحفظ كرامة أهلها ويصون دماء أبنائها."

مقدمة

تحلّ الذكرى الحادية والستون لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بمفترق طرق حساس، وبغزة التي ما زالت تعاني من آثار حرب مدمّرة خلفت أعدادًا كبيرة من الضحايا، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية.

هذه الذكرى ليست محطة احتفالية فقط، بل فرصة وطنية لإعادة قراءة التجربة الوطنية الفلسطينية، واستحضار جوهر المشروع الذي انطلقت من أجله حركة فتح: مشروع تحرر وطني قائم على وحدة الأرض، ووحدة الشعب، ووحدة القرار، وضمان حماية الدم الفلسطيني.

تأتي هذه المناسبة في ظل الحديث عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا وطنيًا ملحًا: كيف يمكن حماية الدم الفلسطيني، وإعادة بناء غزة، وضمان استمرار المشروع الوطني في ظل غياب السلطة الوطنية عن القطاع؟

فتح: انطلاقة مشروع وطني جامع

منذ تأسيسها في الخامس من يناير 1965، لم تكن حركة فتح مجرد تنظيم سياسي، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا، حمل البندقية حين لزم الأمر، ورفع غصن الزيتون حين اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، واضعة نصب عينيها هدفًا واضحًا: تحرير الأرض الفلسطينية وبناء دولة مستقلة وعاصمتها القدس.

في مسيرتها الطويلة، أثبتت فتح أن وحدة الجغرافيا الفلسطينية ليست شعارًا، بل شرط أساسي لأي مشروع وطني ناجح. غزة جزء أصيل من الوطن، وأي معالجة لواقعها يجب أن تنطلق من الإطار الوطني الجامع، ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالسلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها ثمرة نضال طويل وعنوانًا للشرعية السياسية والقانونية.

فتح لم تتوقف عند اللحظة النضالية، بل اهتمت بالبناء الوطني الاجتماعي والسياسي، ودعم الشباب والنساء، وإقامة الأطر الحركية التي تضمن استمرار العمل الوطني على الأرض.

غزة بعد الحرب: ثمن إنساني وأزمة متعددة الأبعاد

الحرب الأخيرة خلّفت آثارًا مأساوية على المستوى الإنساني:

* فقدت العديد من العائلات أبناءها وأفرادها.

* دمرت المرافق الحيوية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

* تهدم آلاف المنازل، ما أجبر السكان على العيش في ظروف صعبة.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50% من الأطفال في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل نتيجة الصدمات التي مروا بها، ما يجعل حماية الدم الفلسطيني أولوية قصوى.

إلى جانب الجانب الإنساني، هناك أزمة سياسية وإدارية:

* الفراغ الذي خلفه غياب السلطة الوطنية يترك المجال لتعدد مراكز القرار.

* يزيد احتمالية الانزلاق إلى صراعات محلية قد تضعف المجتمع وتفرق بين أفراده.

* يعيق جهود إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

غياب الإطار الوطني الجامع يجعل غزة مساحة هشّة سياسيًا، ويؤخر جهود التعافي، ويضعف صوت فلسطين في الساحة الإقليمية والدولية، بينما يمثل وجود السلطة الوطنية الفلسطينية عنصر استقرار أساسيًا.

المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار: فرصة وطنية

المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار تشكل فرصة سياسية حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة قطاع غزة إلى حضن الشرعية الوطنية، بعيدًا عن إدارة الأزمات المؤقتة.

نجاح هذه المرحلة يتطلب سلطة شرعية قادرة على:

* توحيد المؤسسات المدنية والأمنية.

* إدارة المعابر والحدود بشكل فعال.

* الإشراف على الإغاثة وإعادة الإعمار لضمان وصول الدعم إلى المستحقين.

* تمثيل غزة سياسيًا ضمن الإطار الوطني الفلسطيني المعترف به إقليميًا ودوليًا.

دون هذه الإجراءات، ستظل غزة في حالة فراغ سياسي، ويصبح أي حل مؤقت هشًّا ويهدد وحدة المشروع الوطني.

عودة السلطة: ضرورة وطنية ملحّة

تأكيدنا على عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى غزة ليس موقفًا فصائليًا، بل واجب وطني ومسؤولية تجاه الدم الفلسطيني ومستقبل الشعب الفلسطيني.

السلطة أداة وطنية لترتيب المؤسسات، وإعادة النظام، وضمان إدارة شاملة لكل الملفات الحيوية، بما فيها: الأمن، الخدمات، الإعمار، والتنمية.

التجارب السابقة أثبتت أن غياب السلطة يؤدي إلى:

* تعميق الانقسام بين الضفة وغزة.

* تعدد مراكز القرار وزيادة الصراعات الداخلية.

* ضعف الموقف الفلسطيني أمام التحديات الإقليمية والدولية.

بينما وجود السلطة الوطنية يشكل عنصر استقرار ويعيد للقرار الفلسطيني صيغته الواحدة، ويعزز القدرة على حماية الدم الفلسطيني ومصالح الشعب.

فتح ومنظمة التحرير: ضمانة للوحدة الوطنية

مسؤولية حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية تبرز كـ الضامن الحقيقي لوحدة الصف الوطني.

* فتح حرصت على وضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الفئوية، وحماية الدم الفلسطيني.

* منظمة التحرير الفلسطينية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، هي الإطار الذي تُدار من خلاله كل الاستحقاقات القادمة.

* أي مسار يتجاوز هذا الإطار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشرذم وإضعاف الموقف الوطني.

*تفعيل الأطر الحركية: عنصر نجاح المرحلة

عودة السلطة إلى غزة يجب أن تترافق مع تفعيل الأطر الحركية والتنظيمية، خاصة أطر حركة فتح، لتعزيز حضورها الوطني والمجتمعي.

تفعيل الأطر يشمل:

* دعم القيادات المحلية في المؤسسات الرسمية والمجتمعية.

* تنظيم العمل الجماهيري والخدماتي لتعزيز صمود السكان.

* تدريب وتأهيل الشباب ليكونوا جزءًا من إعادة البناء وإدارة الأزمات.

الحركة القوية والمنظمة تشكل رافعة أساسية لإعادة الثقة، وضمان سير العملية السياسية والإدارية بشكل فعال.

الخاتمة: ذكرى الانطلاقة بوابة للأمل

في ذكرى انطلاقة حركة فتح الحادية والستين، نستحضر الماضي من باب المسؤولية الوطنية، لا الحنين.

غزة، بما قدمته من تضحيات، تستحق أن تعود إلى قلب المشروع الوطني الفلسطيني، وأن تُدار ضمن إطار الشرعية الوطنية، بما يحفظ كرامة أهلها ويصون دماء أبنائها ويعيد الأمل بإمكانية النهوض وإعادة البناء.

إن عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى قطاع غزة لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية ملحّة تفرضها استحقاقات المرحلة، ومسؤولية التاريخ، وحق شعبنا في العيش بحرية وكرامة، ضمن دولة فلسطينية واحدة وموحدة، وعاصمتها القدس.