الحرم الإبراهيمي بين سطوة القرار وفضيحة الانتهاك"

يناير 1, 2026 - 21:01
يناير 1, 2026 - 21:02
الحرم الإبراهيمي بين سطوة القرار وفضيحة الانتهاك"

"الحرم الإبراهيمي بين سطوة القرار وفضيحة الانتهاك" 

——————————

بقلم: د. منى ابو حمدية 

أكاديمية وباحثة 

دكتوراه في التاريخ، الآثار والتراث

——————————

ليس الحرم الإبراهيمي الشريف بناءً حجرياً عتيقاً يمكن العبث به تحت ذرائع “التطوير” أو “التنظيم”، بل هو نصّ تاريخي حيّ، وشاهد سيادي وروحي على الوجود الفلسطيني في قلب الخليل. وما يجري اليوم بحقه ليس سلسلة قرارات إدارية معزولة، بل مشروع تهويدي متكامل يستهدف المكان والوظيفة والهوية في آنٍ واحد.

"سحب الصلاحيات… تفكيك السيادة بقرار إداري"

يمثل سحب صلاحيات الإشراف على الحرم الإبراهيمي من الجهات الفلسطينية انتهاكاً خطيراً وغير قانوني، يتجاوز كونه إجراءً إدارياً ليصبح فعلاً سيادياً قسرياً. فالوصاية على الحرم ليست مسألة تقنية، بل امتداد للسيادة التاريخية والدينية والقانونية للشعب الفلسطيني.

ويُضاف إلى ذلك أن جميع الشواهد الأثرية والمعمارية داخل الحرم الإبراهيمي، وفق دراسات تاريخية وأثرية موثقة، لا تحمل أي أثر حجري أو معماري يهودي يمتّ لليهودية بصلة دينية أو تاريخية مثبتة. فالبنية المعمارية للحرم تعود في جوهرها إلى فترات إسلامية واضحة المعالم، وعلى رأسها العمارة الأيوبية والمملوكية والعثمانية، وهو ما يدحض محاولات الاحتلال تسويق المكان كـ“موقع تراثي يهودي” دون أي سند علمي أو أثري موثوق.

"سقف الصحن … هندسة التهويد باسم الترميم"

قرار سلطات الاحتلال المصادقة على مشروع “سقف صحن الحرم الإبراهيمي الشريف” ليس إجراءً معمارياً بريئاً، بل خطوة تهويدية مدروسة تهدف إلى تغيير معالم المكان ووظيفته ورمزيته. فالمساس بالبنية المعمارية للحرم هو مساس مباشر بسرديته التاريخية، وبطابعه الإسلامي المتجذر منذ قرون.

وتأتي هذه المشاريع في سياق فرض قراءة جديدة للمكان، تتجاهل الحقيقة الأثرية التي تؤكد غياب أي دليل مادي يهودي، وتسعى في المقابل إلى تصنيع “أثر” عبر التغيير القسري، لا الاكتشاف العلمي.

"انتهاك القرار الأممي… حين يُهان التراث الإنساني"

تكتسب هذه الانتهاكات خطورتها القصوى لأنها تمسّ بشكل مباشر قرار منظمة الأمم المتحدة الذي يعتبر الحرم الإبراهيمي جزءاً من التراث العالمي الإنساني المهدد بالخطر. إن تجاهل هذا القرار لا يُعد فقط استخفافاً بالقانون الدولي، بل يشكّل سابقة خطيرة في التعامل مع مواقع التراث العالمي الواقعة تحت الاحتلال.

فالاعتداء على الحرم الإبراهيمي هو اعتداء على الذاكرة الإنسانية المشتركة، وعلى القيم التي تأسست عليها منظومة حماية التراث العالمي، لا سيما حين تُفرض روايات غير مدعومة بأي دليل أثري أو علمي معتمد.

في الختام؛ ما يجري في الحرم الإبراهيمي ليس صراعاً على حجر أو سقف، بل صراع على الرواية والهوية والسيادة. وبين تجاهل الدليل الأثري الفلسطيني وحضور القرار العسكري التعسفي، تتكشف حقيقة مشروع لا يبحث عن تاريخ، بل عن "شرعنة القوة".

إن الدفاع عن الحرم الإبراهيمي اليوم هو دفاع عن الحق الفلسطيني، وعن مصداقية القانون الدولي، وعن التراث الإنساني الذي يُنتهك على مرأى ومسمع العالم.