بين بلاغة القول وجسارة العمل رسالة إلى أعضاء حركة فتح في الذكرى ٦١ للانطلاقة
محمد قاروط أبو رحمه
بين بلاغة القول وجسارة العمل
رسالة إلى أعضاء حركة فتح
في الذكرى ٦١ للانطلاقة
محمد قاروط أبو رحمه
(الملخص: إن نضج الفرد والجماعة والمجتمع يقاس بمدى قدرتهما على تقليص المسافة بين ما يُقال وما يُفعل، ليكون العمل هو الصدى الحقيقي والوحيد للكلمة الصادقة.)
يتجلى الصراع الأزلي في الذات الإنسانية والمجتمعات بين فضاء التنظير الواسع وبين أرض الواقع الضيقة، حيث يختبر الإنسان جوهره الحقيقي في المسافة الفاصلة بين ما يخرج من ثنايا لسانه وما تصنعه يداه.
بين بلاغة القول وجسارة العمل: عبور الجسر من الرنين إلى الأثر
في عالم يضج بالكلمات والوعود، تبرز "بلاغة القول" كأداة سحرية قادرة على رسم خرائط للأحلام وتشييد قصور من الخيال. الكلمات لها رنين يطرب الآذان ويحرك العواطف، لكن هذا الرنين يظل صدىً عابراً ما لم يتجسد في "جسارة العمل". إن الفرق بينهما ليس مجرد فرق في الأسلوب، بل هو فرق في الوجود والمصير.
اغراء البلاغة وفخ الارتياح الزائف
تمنحنا الكلمات المنمقة شعوراً وهمياً بالإنجاز. حين نتحدث عن التغيير، العدالة، أو الطموح ببلاغة عالية، يفرز الدماغ كيمياء الرضا وكأننا حققنا الهدف بالفعل. هذا هو "فخ الرنين"؛ حيث تصبح الكلمات غاية في حد ذاتها، ووسيلة للهروب من استحقاقات الفعل التي تتطلب جهداً وعناءً.
جسارة العمل: ضريبة التجسيد
بينما تُبنى البلاغة على الأحرف، تُبنى الجسارة على المواقف. الفعل هو "المختبر" الذي تسقط فيه الأقنعة؛ فالعمل يتطلب مواجهة المجهول، وتحمل تبعات الخطأ، والصبر على مشقة الطريق. الجسارة هنا ليست في عدم الخوف، بل في القدرة على تحويل الكلمة "السيولة" إلى واقع "صلب" رغم كل التحديات.
المسافة الفاصلة: حيث تُصنع المصداقية
المصداقية لا تولد في قواميس اللغة، بل في الفجوة بين القول والعمل. عندما تتطابق جسارة الفعل مع بلاغة القول، يولد التأثير الحقيقي. أما إذا اتسعت الفجوة، تحول القول إلى ضجيج والعمل إلى تخبط. التغيير الحقيقي لا يحدث حين نُحسن وصف المشكلة، بل حين نمتلك الشجاعة للبدء في حلها، ولو بخطوات متعثرة.
الأثر المستدام مقابل الصدى المؤقت
الكلمات مهما بلغت بلاغتها لها "عمر افتراضي" ينتهي بانتهاء مفعول الصوت، بينما العمل يترك "ندبة" في وجه العالم لا تُمحى. البلاغة قد تقنع الناس بفكرة، لكن الجسارة هي التي تجعلهم يتبعونها. التاريخ لا يذكر الخطباء الذين اكتفوا بالقول، بل يخلد أولئك الذين ترجموا كلماتهم إلى واقع ملموس غير وجه الحياة.
إن بلاغة القول هي "البوصلة" التي تحدد الاتجاه، لكن جسارة العمل هي "المحرك" الذي يقطع الطريق. لا قيمة لبوصلة دون محرك، ولا نفع لمحرك يسير بلا هدى. إن نضج الشخصية والمجتمع يقاس بمدى قدرتهما على تقليص المسافة بين ما يُقال وما يُفعل، ليكون العمل هو الصدى الحقيقي والوحيد للكلمة الصادقة.



