سميح القاسم ولوركا... لقاء ما بعد الموت

بقلم عيسى قراقع

أغسطس 20, 2026 - 08:50
سميح القاسم ولوركا... لقاء ما بعد الموت

سميح القاسم ولوركا... لقاء ما بعد الموت
بقلم عيسى قراقع

تُوفّي الشّاعر الفلسطينيّ "طائر الرّعد، سميح القاسم في اليوم الّذي ارتبط تاريخيًّا باغتيال شاعر إسبانيا العظيم " فيديريكو جارسيا لوركا"، وقد التقى الشّاعران الكبيران أخيرًا في لحظة الموت، بعد انتظار طويل على المسافات الصّعبة، وبعد رحيل مَلحَمِيّ تَفوَّقَ على التّاريخ، وكلّ أشكال الاضطهاد السّياسيّ، عندما عَبَرَا معًا فوق جسر القصيدة من الأندلس إلى القدس إلى غزّة.
كان سميح القاسم يبحث عن لوركا في شوارع مدريد وفي دهشتها، سحرها وحضارتها وقصورها وحدائقها، وفي سجونها وقبورها، وينادي على هذا الشّاعر الثّوريّ الّذي أَلْهَمَ الثّورة الأدبيّة والثّقافيّة والسّياسيّة في إسبانيا، حتّى صارت موشّحاته وأشعاره ومسرحيّاته سيفا وغضبا سُلِّطَا على الفاشيّة، وتحوّلت قصائده إلى شرارات ألهبت حماس الشّعب؛ للوقوف بوجه الدّكتاتور فرانكو وأنصاره.
فدريكو
الحارس أطفأ مِصباحه
انزل
أنذا منتظر في السّاحة
مشتعلا بلهيب الوردة
قلبي تفّاحة
طُورِدَ لوركا وسُجِنَ وعُذِّبَ، كما طُورد سميح القاسم واعتقل؛ بسبب قصائدهما الغاضبة والمُتوقِّدة والرّافضة للظّلم والقهر والتّمييز العنصريّ، اقتربا كثيرا من الموت، فأعدم لوركا يوم  19.8.1936 في نفس اليوم الّذي توفّي فيه سميح القاسم عام 2014، فمنح الموت وظيفة إنسانيّة، حارسا على باب المدينة الضّائعة المفاتيح، برغم تَيَقُّظ الموت وقوّة حراسته ، فتوحّد مع لوركا، وحمل الحياة نيابة عنه في مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ للشّعب الفلسطينيّ، عندما تشابه العالَمَان الدَّمويّان لهذين الشّاعرين، وقد التقيا في آب أخيرا بعد أن جمعتهما القصيدة وأصوات الحرّيّة.
الموت متشابه رغم اختلاف السّنوات، غزّة تبكينا؛ لأنّها فينا، يقول سميح للوركا وهو يتقدّم من جثّة لجثّة ومن خيمة لخيمة، ومن شارع لشارع، والّذي أَعدم لوركا هو نفسه الّذي أَعدم الشّاعر سليم النّفار، وهدم غزّة وحرق قصائدها وكتبها وتاريخها، وبقي سميح حمامة مربوطة في قلبي، يقول لوركا، وستكون حارسا في ليلٍ احتضاريّ، خُذْ مِفتاح القصيدة عنّي، واحمل نعشي على كتفيك، وامْضِ واقفا منتصبَ القامة حتّى ننتصر ونلتقي.
ظلّ سميح القاسم ينتظر في ساحة غرناطة قدوم لوركا، ليحتفلا معا بزوال الاستعمار وبرحيل الفقر وانتصار الإنسانيّة والدّيمقراطيّة، يحمل معه من الرّامة ذخائر من حبّ وقصائد، سلام فلسطين إلى شاعر إسبانيا وقلبها النّابض، سلام شعب يعشق الحرّيّة ويقدّس الكرامة، يقرأ نبضات الكون بانتفاضاته وتمرّده على المحتلّين والمستوطنين.

فدريكو
قنديل الحزن قمر
الخوف شجر
فانزل
أنا أعلم أنّك مُختبِئٌ في البيت
مسكونًا بالحمى
مشتعلًا بالموت
فانزل
كان لوركا مُعلَّقًا على أنشوطة الإعدام، لم ينزل إلّا قتيلا، لم يُفتَح باب السّجن إلّا على جثّته الّتي ألقيت في ساحة مدريد، ولم يتحقّق اللّقاء إلّا بعد 75 عاما في لحظة الموت، في نفس السّاعة، وفي نفس اليوم، وفي نفس الشّهر، في غرناطة والقدس، هنا ابن زيدون وبابلو نيرودا وفيصل الحسينيّ وياسر عرفات،  هنا قرطبة وجنين ورام الله ومحمود درويش ومسرح العرائس، وهنا غزّة المقتولة بصواريخ الاحتلال، هنا الشّهداء والأسرى، والمخيّمات، وهنا البحر والتّفّاح والبرتقال، الصّورة نفس الصّورة، الجنديّ نفس الجنديّ، الموت هو الموت، صوتان يَتَوَحَّدان في منطقة الرّفض، أحدهما يقول: الأموات لا تفقد دمها، وإنّ الشّفاه المُتعفِّنة تظلُّ عطشى للماء، والآخر يقول: أنا لا أُحبُّك يا موت، ولكنّي لا أخافك، سريرك جسمي وروحي لحافك.
انزل فدريكو
وافتح لي الباب
أسرعْ
أنذا أنتظر على العتبة
أسرعْ
رحل سميح القاسم وهو يصرخ في العالم مسرعا إلى عناق الحرّيّة، ينادي على لوركا الفكرة والثّورة والإنسان، حمل لغته وعناده وثوريّته في كلّ كلماته وأشعاره وسربيّاته، وظلّ يهدر في وجه الدّبّابة الإسرائيليّة ومخطّطات الاحتلال، ظلّ ينادي ضدَّ الموت الإباحيّ، ضدَّ إعدام شعب لا يريد سوى السّلام والحرّيّة والاستقلال.
يا سميح:
أريد أنْ أغفوَ برهة برهة
دقيقة، دهرا 
لكنْ، ليعلمْ الجميع أنّني لست ميّتا
أُريد انْ أنام نوم التّفّاح
لأتعلمَ نحيبا يُطهّرني من التّراب.
لم يلتقِ سميح بلوركا إلّا عند الموت، اجتمعا معًا في الأبديّة، وتركا خلفهما لهيبا من لحم ودم وكلمات، صوت الغضب الثّوريّ، كبرياء شعب يكره الاستعباد.
أسرعْ
في منعطف الشّارع
جلبة ميليشيا مقتربة
قرقعة بنادق
وصليل حِراب
افتح لي الباب
أسرعْ خَبِّئْني
فدريكو...فدريكو
سقط لوركا وسقط سميح في شهر آب، ارتوت أرض فلسطين وشعبها بما قدّماه للإنسانيّة، ولكلّ الأحرار والشّعوب من أفكار ومبادئ وصهيل ثوريّ، الأوّل أعدموه؛ لأنّه وقف في وجه الطّغاة، ولم يُساوم، والثّاني أعدموا شعبه وأولاده أمام عينيه، فحَرَّضَ أهل القبور والمقابر، وحَرَّضَ الأحياء والأموات، ولم يساوم.
يا سميح:
لا أحد ينام في السماء
لا أحد، لا أحد
ثمّة ميت في المقبرة البعيدة
يتذكّر منذ ثلاث سنوات
لحم حَيّ، تربط قبلات الأفواه 
في خليط الشّرايين جديدة
يا سميح من يخاف الموت
سيحمله على أكتافه يوما ما
امضِ مُفتِّشًا عن موتي
من ضوء يفنيني.
هي قصائد عالميّة لكلّ البشر السّاعين للحرّيّة، وكما يصفها الشّاعر لوركا: تضيء الحقل مثل قفير نَحْلٍ صغير بعسل دام، صاغها النّحل من ثغور النّساء، ولهذا حين تنفلق، تضحك بأرجوان آلاف الشّفاه.
لوركا الّذي عشق الفنّ العربيّ وحضارته، أحيا موشّحاتِ وأغانيَ "زرياب" وهو يعزف على أوتاره الحميميّة، موسيقى المنتفضين في وجه الظّالمين، إلهام سميح القاسم في غنائيّاته، وهو يخوض صراعا ضدَّ شطب الهُويَّة والذّاكرة الوطنيّة ومعناها على أرض فلسطين.
فدريكو
النّجمة جرح
والدّم يصيح على الأوتار
يشتعل الجيتار
لوركا وسميح، تَوَهَّجا هنا وهناك، كتاب البيان والتّبيين والحقّ المبين للمُعذَّبين والمقهورين، تمازج الأفكار والقوافي والأغاني، والمشترك في الحبِّ، وعشق الأرض، وتحرير الإنسان، هندسة الحرّيّة في كلّ مكان، أعمال مَلحَمِيَّة تتحدّى أساطير المحتلّين بقوّة الحقّ والتّعبير، وتفتح الصّوت الواحد في كلّ الأصوات.
الحرس الأسود أَلقَى في البئر سلاحه
أعلمُ أنّك مختبِئ في ظلّ ملاك
أَلْمَحُكَ هناك
زنبقة خلف ستارة شبّاك
ترتجف على فمك فراشة
وتمسك شعر اللّيل يداك.