*مفاوضات روما... من أجل الانسحاب أم لإدارة الوقت؟*
*مفاوضات روما... من أجل الانسحاب أم لإدارة الوقت؟*
أبو شريف رباح
5\8\2026
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المفاوضات التي تستضيفها العاصمة الإيطالية روما يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على الجميع، هل جاءت هذه المفاوضات فعلاً للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى انسحاب إسرائيلي وتنفيذ الالتزامات الدولية، أم أنها مجرد محطة جديدة لكسب الوقت وإدارة الأزمة، ريثما تفرض إسرائيل المزيد من الوقائع على الأرض؟
المشهد بشكل عام يوحي بأن لكل طرف حساباته المختلفة، فلبنان يسعى إلى استثمار الحراك الدبلوماسي لتثبيت سيادته الكاملة على أراضيه وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من المناطق التي لا تزال تحتلها ووقف اعتداءاتها المتكررة، في المقابل تبدو إسرائيل أكثر اهتمامًا باستغلال الوقت لتعزيز مواقعها العسكرية وتكريس معادلات أمنية جديدة تجعل أي انسحاب مستقبلي مشروطًا بضمانات تخدم مصالحها الاستراتيجية.
ومن يتابع السياسة يدرك أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اعتادت الدخول في المفاوضات من موقع القوة مستفيدة من عامل الزمن لتحقيق مكاسب ميدانية وتحويلها إلى أوراق تفاوضية، لذلك فإن استمرار إسرائيل بعملياتها العسكرية وخروقاتها بالتوازي مع انعقاد المفاوضات يثير تساؤلات جدية حول مدى استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية، أم أنها تستخدم المسار السياسي غطاءً لمواصلة فرض الأمر الواقع.
أما الولايات المتحدة التي تنشغل في هذه المرحلة بملفات إقليمية أكثر تعقيدا وفي مقدمتها الحرب على إيران وأمن الملاحة في مضيق هرمز فإنها تحاول إبقاء المسارين السياسي والعسكري تحت سقف واحد منعا لانفجار شامل قد يمتد إلى المنطقة بأكملها، فهي تدرك أن أي تصعيد جديد على الجبهة اللبنانية سيؤثر على مجمل التوازنات الإقليمية لكنها في الوقت ذاته لا تمارس الضغوط الكافية لإجبار إسرائيل على الالتزام الكامل بما يطرح على طاولة المفاوضات.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية، إذ إن نجاح أي مفاوضات لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها بل بمدى ترجمتها إلى خطوات عملية على الأرض، وإذا استمرت إسرائيل في سياسة المماطلة وشراء الوقت فإن المفاوضات ستتحول إلى غطاء سياسي يمنحها فرصة إضافية لترسيخ وجودها العسكري وفرض شروط جديدة قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي.
والتجارب السابقة لا تبعث على كثير من التفاؤل فقد شهدت المنطقة عشرات جولات التفاوض التي انتهت بوعود مؤجلة، فيما بقي الاحتلال يتمدد والخروقات تتكرر والقرارات الدولية تبقى حبراً على ورق، وهذا ما يدفع إلى التشكيك في قدرة مفاوضات روما على إحداث اختراق حقيقي ما لم تقترن بإرادة دولية حازمة تفرض على إسرائيل تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وليس الاكتفاء برعاية الحوار.
وفي ظل هذا الواقع تبدو الدبلوماسية أمام اختبار حقيقي فإما أن تنجح في فرض الانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة اللبنانية وفق القرارات الدولية وإما أن تتحول إلى وسيلة جديدة لإدارة الوقت بينما تستمر إسرائيل في رسم حدود جديدة بالنار والقوة مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى مثل الحرب الأمريكية _ الإيرانية والاوكرانية _ الروسية.
ويبقى السؤال، هل ستكون روما بداية مرحلة جديدة تترجم فيها الوعود إلى أفعال أم أنها ستنضم إلى سلسلة طويلة من المفاوضات التي منحت إسرائيل مزيدًا من الوقت لتغيير الوقائع على الأرض؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال، مع ان كافة المؤشرات تدعو إلى الحذر أكثر مما تدعو إلى التفاؤل.



