معالي وزير التربية: لا تجعلوا أطفالنا حقلًا لتجربة غير مكتملة

د. ياسر أبو بكر

أغسطس 5, 2026 - 14:01
معالي وزير التربية: لا تجعلوا أطفالنا حقلًا لتجربة غير مكتملة

د. ياسر أبو بكر

يمثل تطوير التعليم الفلسطيني ضرورة وطنية لا يجوز تأجيلها، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في إنتاج المعرفة، وتنوع مصادرها، واتساع حضور التكنولوجيا في حياة الأطفال والمجتمعات. ولم يعد مقبولًا أن تبقى المدرسة أسيرة نموذج يقوم على التلقين والحفظ واسترجاع المعلومات، في وقت يحتاج فيه المتعلم إلى مهارات الفهم والتحليل والبحث والتواصل وبناء المعنى. غير أن الحاجة إلى التطوير لا تعني أن كل تحول تقني يُعد تحولًا تربوياً، كما أن الرغبة في التجديد لا تعفي صانع القرار من واجب التحقق من الجاهزية، وقياس الأثر، وضمان العدالة بين الطلبة والمدارس.

ومن هذا المنطلق، تكتسب ورقة الموقف الصادرة عن الائتلاف التربوي الفلسطيني بشأن التحول في الصفوف من الأول إلى الرابع، بين مصادر التعلم المفتوحة وجاهزية النظام التعليمي، أهمية خاصة ؟  لأنها لا تنطلق من رفض التطوير، ولا من التمسك الجامد بالأدوات التقليدية، بل من الحرص على أن يكون أي تغيير في بنية التعليم منسجمًا مع طبيعة المرحلة العمرية، وقدرات النظام التعليمي، وحق الأطفال في تعليم منصف وشامل وذي جودة.

إن الصفوف الأربعة الأولى ليست مرحلة تعليمية عادية، فهي الأساس الذي تُبنى عليه قدرة الطفل على القراءة والكتابة والحساب والفهم والتعبير، وفيها تتشكل علاقته بالمدرسة والمعلم والكتاب والمعرفة. وأي خلل في هذه المرحلة لا ينتهي بانتهاء العام الدراسي، بل يمتد أثره إلى الصفوف اللاحقة، ويتحول مع مرور الوقت إلى فجوات معرفية يصعب علاجها.

ولهذا، فإن الكتاب المدرسي في هذه المرحلة لا يمثل مجرد وسيط تقليدي يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل يؤدي وظيفة تربوية وتنظيمية واجتماعية متكاملة. فهو يوفر للطالب تسلسلًا واضحاً للمفاهيم والمهارات، ويمنح المعلم مرجعية مشتركة للتخطيط والتنفيذ والتقويم، ويتيح لولي الأمر متابعة تعلم طفله، كما يضمن قدرًا من الاتساق بين المدارس والصفوف والبيئات التعليمية المختلفة.

ولا يعني الدفاع عن استمرار الكتاب المدرسي رفض مصادر التعلم المفتوحة أو التقليل من قيمتها. على العكس، يمكن لهذه المصادر أن تثري الموقف الصفي، وتوسع خبرات المتعلم، وتمنح المعلم فرصًا أكبر للتنويع والإبداع، وتساعد على الانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعلم القائم على المشاركة والاستكشاف. لكن توظيفها بوصفها مصادر دعم وإثراء يختلف جذريا عن إحلالها محل المرجعية الأساسية قبل التحقق من قدرتها على أداء الوظائف التربوية التي يؤديها الكتاب.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين التعليم المفتوح ومصادر التعلم المفتوحة. فالتعليم المفتوح رؤية تربوية تعيد بناء علاقة المتعلم بالمعرفة، وتمنحه مساحة أوسع للاكتشاف والتجريب وبناء المعنى. أما مصادر التعلم المفتوحة فهي أدوات وموارد يمكن استخدامها داخل أنظمة تعليمية مختلفة. ومن ثم، فإن وجود الشاشات أو الأجهزة أو الرزم المطبوعة لا يعني أن النظام انتقل تلقائيا إلى نموذج تربوي جديد. فالأداة لا تصنع التحول، والتكنولوجيا لا تعوض غياب الفلسفة التربوية أو ضعف الإعداد المهني أو اضطراب البيئة التعليمية.

إن التحول الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف أدوار المعلم والمتعلم، وتصميم الدروس والأنشطة، وأساليب التقويم، والعلاقة بين المدرسة والأسرة، وقدرة المدرسة على إدارة المعرفة وإنتاج خبرات تعلم ذات معنى. كما يحتاج إلى محتوى وطني منظم، ومعايير معلنة للجودة، وتأهيل مهني مستدام للمعلمين والمشرفين والإدارات المدرسية، ودعم فني وتربوي يضمن أن يتحول المورد التعليمي إلى تعلم فعلي داخل الصف.

معالي وزير التربية والتعليم : إن القضية الأساسية ليست في نية التطوير، وهي نية إيجابية ومطلوبة، وإنما في قدرة النظام التعليمي على تنفيذ هذا التوجه دون المساس بحق الطلبة في التعلم. فالتعليم الفلسطيني يعمل في ظروف استثنائية تتسم بعدم انتظام الدوام، وتآكل زمن التعلم الفعلي، وتراكم الفاقد التعليمي، وتفاوت الإمكانات بين المدارس، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المعلمين والأسر. وهذه التحديات لا يمكن فصلها عن أي مشروع إصلاحي جديد.

ولا يمكن التعامل مع جاهزية المدارس باعتبارها حالة واحدة. فهناك مدارس تمتلك بنية مناسبة، وإدارات مستقرة، ومعلمين ذوي خبرة، وأسرًا قادرة على المتابعة، في مقابل مدارس تعاني الاكتظاظ، وضعف التجهيزات، واضطراب الدوام، ونقص الموارد. وقد ينجح النموذج الجديد في مدرسة تتوفر فيها شروط الدعم، بينما يتحول في مدرسة أخرى إلى مصدر ارتباك وفوضى تعليمية.

ومن هنا يبرز سؤال العدالة التعليمية: هل سيحصل جميع الأطفال على فرص متكافئة للاستفادة من هذا التحول؟ وهل تستطيع المدارس الواقعة في القرى والمخيمات والمناطق المهمشة تطبيقه بالجودة نفسها؟ وهل يملك جميع أولياء الأمور القدرة التعليمية والتقنية لمتابعة أبنائهم؟ وهل سيؤدي تنويع المصادر إلى توسيع فرص التعلم أم إلى تعميق الفجوة بين من يمتلكون أدوات الوصول إلى المعرفة ومن لا يمتلكونها؟

إن العدالة ليست تفصيلًا يمكن معالجته بعد التطبيق، بل يجب أن تكون معيارًا حاكماً منذ لحظة التخطيط. ولا يصح أن يتحقق تطوير نوعي في بعض المدارس على حساب مدارس أخرى، أو أن تُعالج احتياجات مرحلة من خلال سحب التجهيزات من مراحل أخرى. فالإصلاح الحقيقي لا يعيد توزيع النقص، بل يبني قدرة إضافية تضمن تقدم النظام كله.

كما أن المعلم يمثل العنصر الحاسم في نجاح أي تحول تربوي. فلا يمكن اختزال دوره في تشغيل جهاز أو استخدام رزمة تعليمية أو اختيار نشاط من منصة إلكترونية. المعلم هو الذي يحول المورد إلى خبرة ذات معنى، ويراعي الفروق الفردية، ويكتشف مواطن الضعف، ويكيف التعليم وفق حاجات الطلبة. ولذلك لا يجوز أن يكون مجرد منفذ لقرار صُمم بعيدًا عن خبرته اليومية.

إن إشراك المعلمين في تصميم التحول وتقييمه ليس مطلبا نقابيا فقط، بل شرط مهني ومعرفي لنجاحه. كما أن التدريب القصير لا يكفي لإحداث تغيير مستدام في الممارسة الصفية. المطلوب تأهيل متواصل، ومتابعة ميدانية، ودعم داخل المدرسة، ووقت للتخطيط، واستقرار مهني ونفسي يتيح للمعلم أن يقود التغيير بدل أن يتحمل عبئه وحده.

وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن فصل مصادر التعلم عن مسألة السيادة المعرفية. فالمنهاج الوطني ليس مجرد موضوعات دراسية، بل تعبير عن هوية المجتمع وذاكرته وقيمه وروايته. والانفتاح على المعرفة العالمية مطلوب، لكن يجب ألا يتحول إلى مدخل لتهميش المرجعية الوطنية أو إحلال موارد لا تنطلق من السياق الفلسطيني وخصوصيته. ويمكن للدعم الدولي أن يوفر الخبرات والأدوات، لكنه لا ينبغي أن يحدد فلسفة المنهاج أو أولويات المعرفة الوطنية.

معالي الوزير، إن نجاح المشروع أهم من سرعة تعميمه، وجودة النتائج أهم من جاذبية الإعلان عنه. وليس في التدرج ضعف، كما أن تأجيل التعميم إلى حين استكمال الجاهزية لا يمثل تراجعاً عن الإصلاح. فقد يكون القرار الأكثر شجاعة هو القرار الذي يراجع توقيته وآليات تنفيذه عندما تكون المخاطر التربوية أكبر من المكاسب المتوقعة.

والأكثر ملاءمة في هذه المرحلة هو اعتماد مسار انتقالي يحافظ على الكتاب المدرسي الوطني بوصفه مرجعية أساسية للصفوف الأربعة الأولى، مع إدماج مصادر التعلم المفتوحة والرزم التعليمية والوسائط الرقمية بوصفها أدوات إثراء ودعم. وفي الوقت نفسه، يمكن تطبيق النموذج في عينة علمية ممثلة لمختلف البيئات الفلسطينية، ثم إجراء تقييم تربوي مستقل يقيس أثره في مهارات القراءة والكتابة والحساب، وفي أداء المعلمين، وقدرة الأسر على المتابعة، والفجوات بين المدارس والمناطق، قبل اتخاذ قرار التوسع.

إن نشر نتائج التجربة وفتح نقاش مهني يشارك فيه المعلمون والباحثون وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني لا يضعف الوزارة، بل يعزز الثقة بقراراتها ويحمي الإصلاح من الأخطاء. فالمطلوب ليس إيقاف التطوير، بل حمايته من الاستعجال.

إن أطفال الصفوف الأولى ليسوا مجالًا لاختبار قرار لم تكتمل شروطه، بل هم أمانة وطنية وتربوية. وحماية حقهم في التعلم تقتضي الجمع بين الجرأة على التجديد والحكمة في التنفيذ ، وبين الانفتاح على المعرفة والتمسك بالمرجعية الوطنية، وبين الطموح في الإصلاح والالتزام الصارم بالعدالة والجودة.