من قلب الظلام إلى رباعية الضوء والعتمة
قراءة مقارنة في رؤيتين للعتمة
من قلب الظلام إلى رباعية الضوء والعتمة
قراءة مقارنة في رؤيتين للعتمة
محمد قاروط أبو رحمه
وانا اتأمل في مقال المفكر الفلسطيني الأخ بكر أبو بكر بعنوان: رواية قلب الظلام في فلسطين، عدت بذاكرتي الى رباعية الضوء والعتمة، كتبتها محاولا حث الانسان على اكتشاف المجهول وهو العتمة. وجدت تقاطع فكري مهم في النصين.
يتمثل التقاطع والالتقاء في أن كلا النصين ينطلق من سؤال واحد: كيف نفهم العتمة؟ لكنهما يقدمان إجابتين متقابلتين في نقطة البداية، ومتجاورتين في الغاية.
ينطلق الاخ بكر أبو بكر من رواية جوزيف كونراد قلب الظلام، ويجعل منها اداته لقراءة الاستعمار والعنصرية والاحتلال، وصولًا إلى مقاربتها او اسقاطها على الواقع الفلسطيني. فالعتمة في مقال بكر ليست غيابا للضوء، بل هي منظومة استعمارية تقوم على القوة، وتجريد الإنسان من إنسانيته، وتحويل الاحتلال إلى مشروع طردي احلالي استعماري يدّعي انه شعب وله حضارة بينما يمارس القتل، والطرد، والنهب، والقمع.
أما في رباعية الضوء والعتمة، فأنطلقت بها من داخل الانسان قبل بيئته. فأنا لا أبدأ بالاحتلال، بل بالإنسان؛ أي انسان، كل انسان، ولا أبدأ بالظالم، بل بالوعي. فالعتمة فيها ليست مكانًا على الخارطة او الواقع، ولا حدثًا امنيا او سياسيًا، وإنما مساحة لم يصل إليها الفهم بعد.
ولهذا كان المقال الأول في الرباعية يوضح أن العتمة هي المساحة التي لم تمتد إليها يداك بعد؛ أي إن المعرفة تبدأ باكتشاف المجهول داخل الذات قبل أن تتجه إلى العالم.
ثم تنتقل الرباعية إلى مستوى آخر، حين يؤكد النص أن العتمة لا تُهزم باللعن، بل بالفعل، وأن الإنسان مطالب بأن يكون هو الضياء. وهنا تتحول المسؤولية من وصف الظلام إلى صناعة النور.
أما في المقال الثالث بعنوان: البذور لا تنبت في الضوء، فإن العتمة تصبح شرطًا لإنتاج المعنى والحكاية، لأن كل بناء عميق يبدأ في العتمة والخفاء قبل أن يظهر إلى العلن.
ونصل بالرباعية إلى ذروتها في المقال الرابع، حين نذكر بأن الصراع بين الضوء والعتمة لا ينتهي، لأنه ليس صراعًا سياسيًا فقط، بل جزء من طبيعة الإنسان والحياة.
الخير والشر، المعرفة والجهل، البناء والهدم، ستظل متقابلات وثنائيات ترافق الإنسان ما دام على قيد الحياة. ولذلك فإن مهمة الانسان ليست القضاء على العتمة، ولا التعايش معها او قبولها، وإنما ألا يصبح الإنسان نفسه هو العتمة، وأن يبقى قادرًا على اكتشاف ما تخفيه من أسئلة وإمكانات، ومخاطر وفرص.
ومن هنا يظهر الفارق المنهجي بين النصين:
فمقال الاخ بكر أبو بكر يبدأ من العتمة الخارجية وينتهي إلى حث الانسان الفلسطيني على الدفاع عن نفسه وشعبه في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الطردي، بينما تبدأ رباعية الضوء والعتمة من العتمة الداخلية، ثم تتسع لتشمل المجتمع والتاريخ والاحتلال وسائر صور الجهل والهيمنة.
العتمة عند الأخ بكر أبو بكر عتمة الاستعمار.
أما العتمة في الرباعية فهي أوسع من ذلك؛ فهي كل مساحة يغيب عنها وعي الانسان، سواء كانت في النفس، أو الذات، أو في الفكر، أو في الثقافة، أو في السياسة، والاهم غياب الفعل والعمل والانجاز.
ولهذا فإن رباعية الضوء والعتمة لا تختلف مع قراءة الأخ بكر أبو بكر، بل تحتضنها داخل إطار أشمل، بل إنها تضع الاحتلال في موضعه الصحيح؛ بوصفه أحد أخطر مصادر العتمة التي يعيشها شعبنا كل دقيقة، دون أن تجعله المصدر الوحيد للعتمة. لكن الاحتلال ليس المصدر الوحيد للعتمة الواجب مقاومته، بل ان مقاومة الاحتلال تبدأ بمقاومة الجهل، لأن الوعي هو الشرط الأول لكل فعل تحرري.
ومن جهة أخرى، يلتقي النصان في أهمية حبك الحكاية والرواية والسرد. فمقال الأخ بكر يبين كيف استخدم كونراد الرواية لكشف زيف الخطاب الاستعماري، بينما تؤكد رباعية الضوء والعتمة أن بناء الحكاية والرواية والسرد ليس ترفًا أدبيًا، بل شرطًا لإنتاج المعنى وصناعة الوعي. وهنا تصبح الحكاية والرواية والسرد أحد أدوات المقاومة.
إن الجمع بين النصين يمنح القارئ رؤية مزدوجة: رؤية تكشف العتمة في العالم، ورؤية تكشف العتمة في الذات. وحين يجتمع الوعي بالداخل مع الوعي بالخارج، يصبح الضوء أكثر قدرة على الاستمرار.
لعل هذا هو التمايز الأعمق بينهما؛ فقلب الظلام في فلسطين يكشف كيف يصنع الإنسان بنفسه الظلامَ حين يتحول إلى مستعمر لإنسان اخر، أما رباعية الضوء والعتمة، فتسأل سؤالًا آخر: كيف نحافظ على إنسانيتنا حتى لا نصبح نحن جزءًا من العتمة التي نقاومها؟
ولذلك، فإنني لا أرى النصين متعارضين، بل متكاملين. فالأول يعرّي عتمة الاستعمار ويكشف آلياتها وآثارها في الإنسان والأرض والرواية، أما الثاني فيحاول أن يضيء الطريق الذي يمنع الإنسان من أن يحمل هذه العتمة في داخله، حتى وهو يقاومها.
فإذا كان الاحتلال يسعى إلى احتلال الأرض، فإن الجهل يسعى إلى احتلال العقل، وإذا كانت مقاومة الاحتلال واجبًا وطنيًا، فإن مقاومة الجهل واجب حضاري وإنساني لا يقل أهمية. وحين يجتمع تحرير الأرض مع تحرير العقل، ويتكامل الوعي بالفعل، والسرد بالموقف، والإنسان بالقضية، يصبح الضوء مشروعًا مستمرًا، لا مجرد لحظة عابرة في مواجهة العتمة.



