العروم...

عيسى قراقع

أغسطس 4, 2026 - 10:09
العروم...

العروم...
عيسى قراقع
أنْ تصطفَّ في طوابير السّولار والبنزين على محطّات الوقود، تحت الشّمس الحارقة عبادة، أنْ تخرسَ وتسكتَ، وألّا تسألَ وألّا تتذمّرَ مرابطة، وأجرها عند الله عظيم، هكذا قال المُفتي، سدّوا الذّرائع على الاحتلال اللّعين، واتركوا المهرّبين والسّماسرة والأيادي الخفيّة تعبث وتنعم، وتضخّ كازًا على قلوب شعب أحرقته عصابة تتحالف مع المال والسّياسة، لتنتج أنماطا أخرى من القوّة، تحوّل الوطن أو الحزب إلى شركة، تجعل النّاس تقبل بما يُفرَض عليهم، وعلى الأسفلت افرشوا سجاجيد الصّلاة.
العروم، كلمة عبريّة تعني التّفتيش العاري، وهي سياسة كانت إدارة سجون الاحتلال الإسرائيليّ تطبقها على الأسرى؛ بهدف إذلالهم والحطّ من كرامتهم بحُجّة التّفتيش والبحث عن الممنوعات داخل أجساد المعتقلين، ومَن يرفض ذلك يتعرّض للضّرب الشّديد والعقوبات، عروم تعني اخلع ملابسك، كن عاريا، اخلع كرامتك، ولسدّ الذّرائع تجنّب الضرب والعزل ورش الأسرى بالغاز، اشلح وتحمّل، فالمصلحة العليا تقتضي ذلك، لا تدافع عن نفسك، اخلعْ وانْحَنِ، واتركْ أيادي الجلادين تعبث بداخلك، لكنّ الأسرى تصدّوا لهذه السّياسة وقاوموها، ودفعوا أثمانا غالية في سبيل كرامتهم وإنسانيّتهم، وانتزعوا حقوقهم وكيانهم من بين أنياب السّجّان، لا ذرائع تُبرّر الإهانة، ولا مقارنة بين الاعتراض على العنف والظّلم وبين التّهوّر، ولا مرّة يغدو الخضوعُ فضيلةً أو واقعيّة أو براغماتيّة، ولا مرّة يصير التّنازل عقلانيّة، وإذا كان الأسرى المُقيَّدون استطاعوا أن يبنوا سلطة ثوريّة مضادّة لسلطة السّجّان بين الأسوار، فلماذا نسمع من الطّلقاء لغة تدعو إلى الإذعان، حتّى لو وصل المستوطنون أرضك وبيتك، حرقوا مزروعاتك وطردوك، أو اعتقلوك، أو قتلوك أمام أولادك؟ يقولون لك: ارضخ، اهدأ، سدَّ الذّرائع، ابحث عن النّجاة، تعاون على موتك، تنازل خطوة، ربّما تتوقّف الخطوات التّالية، وهكذا إلى أن تثبت الضّحيّة براءتها، وتقدّم الأدلة للقاتل؛ أنّها كانت إنسانا بعد فوات الأوان.
العروم، اخلع ملابسك كاملة وأفكارك العنيدة، هنا على الحاجز العسكريّ، وهناك على البوابة الصّفراء، تجنّب الخطر، هي مجرّد ملابس وقماش، لا بأس، اخرجْ من أرضك، اتركْ أشجارك، اخلعْ نفسَك بنفسك، لا بأس، اكسرْ رمز الخصوصيّة والهُويّة، واحترام الذّات، وتعرَّ، لا بأس، أَثبتْ حسن النّوايا، واذهب بعدها إلى الجحيم.
     العروم، منهج يوميّ وعادة وثقافة وسلوك، لا حدود بين السّيادة وشبكة المراقبة والقيود، وعندما تمتثل وتسدّ الذّرائع، كلّ هذا الاستثناء والشّذوذ يصير طبيعيًّا، سُدَّ الذّرائع ولا تخَفْ، وأَدرْ مشروع التّحرّر عاريًا في حياة عارية.
العروم، قِفْ على المحطّة ساعات وساعات، قف رهينة صفقة لا تعرفها بين أصحاب النّفوذ، تعلّم الحكمة ولا تسارع في الغضب، الهزيمة حكمة، التّكيّف بأن تكون ظِلًّا، أو مريضا تحتاج إلى علاج بالصّدمة، اخلعْ ملابسك وتوكّلْ على الله، الأسرى إرهابيّون، وحيفا ليست مدينة فلسطينيّة، نَظِّفْ عقلَك وكتابَك المدرسيَّ من أجل المستقبل والسّلام.
العروم، إعادة صياغة البشر تحت البندقيّة، لا حرّيّة ولا مواطنة، ولا قيم اجتماعيّة وأخلاقيّة، سيركبك الكثيرون، لا تتذمّرْ، أنت في سوق، ورقم في ميزانيّة، تحكمه المصالح الاقتصاديّة، وعليك أن تحمل خطايا الكبار فوق ظهرك، سُدَّ الذّرائع وادخل غرفة التّعرية، أنت مستهلك وسلعة قابلة للبيع والشّراء والفحص تحت رحمة مدير الاقتصاد الآليّ، قائد حركة التّحرّر: الأمميّ، الأمريكيّ، الإسرائيليّ، العربيّ، سيّد المَشرقين والمَغربين، سيّد الخبز والبنزين والأرواح، صاحب الحنفيّة أرضًا وسماءً.
العروم، الطّواعية بإرادتك، الوهم السّياسيّ، السّقوط من الأعلى، عندما تخلعُ كرامتَك ومبادئَك وتعتبرُ ذلك شطارة وسَدَّ ذريعة، فمتى يصبح ارتداؤها فعل مقاومة؟
يقول الشّاعر المرحوم خليل توما:
لكنّ شعاعا يكفي لنبدأ 
عندما يصبح موت الفرد مَهْرا
وحياة الكلّ مبدأ