تحقيق يكشف إخفاق ضربات ترمب العسكرية في الحد من تدفق الكوكايين للولايات المتحدة
كشف تحقيق صحفي موسع استند إلى وثائق حكومية أمريكية داخلية عن إخفاق الضربات العسكرية التي تنفذها إدارة الرئيس دونالد ترمب في تحقيق أهدافها المعلنة بتقليص إمدادات الكوكايين. وأوضحت التقييمات أن العمليات التي استهدفت القوارب المشتبه بها في عرض البحر لم تؤدِ إلى أي تغيير ملموس في أسعار المخدرات أو توافرها داخل الأسواق الأمريكية، مما يضع الرواية الرسمية للبيت الأبيض على المحك.
وتتعارض هذه النتائج بشكل صارخ مع التصريحات المتكررة للرئيس ترمب، الذي أكد في مناسبات عديدة أن الحملة العسكرية نجحت في شل حركة التهريب البحري بنسبة تجاوزت 97%. إلا أن تقارير إدارة مكافحة المخدرات وإحاطات سرية من وزارة الدفاع (البنتاغون) أمام الكونغرس رسمت صورة مغايرة تماماً للواقع الميداني واللوجستي لشبكات الجريمة المنظمة.
وبحسب التحقيق، فإن المنظمات الإجرامية أظهرت مرونة عالية في التكيف مع الضغوط العسكرية عبر تطوير استراتيجيات بديلة ومعقدة. فقد تخلت هذه الشبكات تدريجياً عن استخدام القوارب السريعة في المياه الدولية، واتجهت بدلاً من ذلك إلى تسيير سفن أكبر حجماً تبحر بمحاذاة السواحل لتجنب الرصد والاستهداف المباشر من القوات الأمريكية.
ولم يقتصر التغيير على المسارات البحرية، بل شمل توسيع الاعتماد على النقل الجوي عبر طائرات تقلع من مدارج سرية تقع على الحدود الكولومبية الفنزويلية. وتتجه هذه الرحلات عادة نحو غويانا وسورينام بعيداً عن مناطق انتشار القطع البحرية الأمريكية، مما يضمن تدفق الشحنات دون انقطاع يذكر في سلاسل التوريد العالمية.
وأشار مسؤولون في إدارة مكافحة المخدرات إلى أن المهربين استغلوا السفن التجارية بشكل مكثف خلال الفترة الأخيرة كغطاء لعملياتهم. كما ظل التهريب البري عبر الحدود التقليدية مساراً رئيسياً لم يتأثر بالعمليات البحرية، بل شهد زيادة طفيفة في وتيرة الاستخدام لتعويض أي اضطرابات مؤقتة قد تحدث في المسارات الأخرى.
وأكد محللون أمنيون أن الضغط العسكري على ممر تهريب معين لا يؤدي بالضرورة إلى القضاء على التجارة، بل يدفعها للبحث عن نقاط ضعف جديدة. وأوضح التحقيق أن المهربين يمتلكون قدرات مالية ولوجستية تتيح لهم تغيير تكتيكاتهم بسرعة تفوق استجابة الأجهزة الأمنية التقليدية التي تعتمد على القوة الصلبة فقط.
وفيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية لتجارة المخدرات، أفادت تقارير داخلية بأن أسعار الكوكايين في المدن الأمريكية الكبرى لم تشهد الارتفاع المتوقع الذي يعقب عادة نقص الإمدادات. هذا الاستقرار في الأسعار يعد دليلاً قوياً على أن كميات المخدرات التي تصل إلى المستهلكين لم تتأثر بالعمليات العسكرية الجارية في الكاريبي والمحيط الهادئ.
علاوة على ذلك، أظهرت التحليلات المخبرية للكوكايين المضبوط أن درجة نقاوته لا تزال في مستويات قياسية مرتفعة. وهذا يعني أن المهربين لا يضطرون إلى خلط المنتج بمواد أخرى لتعويض النقص، وهو ما يؤكد أن المخزونات المتوفرة لديهم كافية لتلبية الطلب المتزايد دون الحاجة لتقنين التوزيع.
من جانبه، دافع المتحدث باسم البنتاغون عن العملية العسكرية، معتبراً أن نجاحها يقاس بمدى قدرتها على إرباك الشبكات الإجرامية وتفكيك بنيتها التحتية. ورأى أن لجوء المهربين لتغيير تكتيكاتهم هو بحد ذاته اعتراف بفعالية الضغط العسكري الذي يمارس عليهم، حتى وإن لم ينعكس ذلك فوراً على حجم الكميات المهربة.
في المقابل، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض التشكيك في جدوى هذه الجهود بأنه أمر 'يدعو للسخرية'، مشددة على أن الإدارة نجحت في ردع الكثيرين عن الانخراط في هذه التجارة القاتلة. وأكدت أن الهدف النهائي هو حماية المجتمع الأمريكي من 'السموم' التي تتدفق عبر الحدود، بغض النظر عن التحديات اللوجستية التي تفرضها العصابات.
وعلى الصعيد الإنساني والقانوني، أثار مقتل 221 شخصاً في هذه العمليات منذ سبتمبر 2025 انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء قانونيين. واعتبر البعض أن هذه الضربات ترقى إلى مستوى 'الإعدام خارج نطاق القضاء'، خاصة وأنها تتم في المياه الدولية دون إجراءات قانونية واضحة أو محاكمات للمشتبه بهم.
وخلص التحقيق إلى أن الحرب العسكرية على المخدرات، رغم كلفتها العالية بشرياً ومادياً، لم تنجح في كسر حلقة التوريد. وبينما تستمر الإدارة في الترويج لنجاحات رقمية، تبقى الحقائق على الأرض تشير إلى أن شبكات التهريب لا تزال قادرة على الالتفاف على أقوى الجيوش العالمية لتأمين وصول بضاعتها إلى وجهتها النهائية.



