غزة والضفة والقدس وحدة جغرافية ووطنية واحدة... أين القوى والفصائل والمرشحون أمام اختبار التاريخ؟

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

يوليو 24, 2026 - 18:09
غزة والضفة والقدس وحدة جغرافية ووطنية واحدة... أين القوى والفصائل والمرشحون أمام اختبار التاريخ؟

غزة والضفة والقدس وحدة جغرافية ووطنية واحدة... أين القوى والفصائل والمرشحون أمام اختبار التاريخ؟
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة مفصلية تتطلب قراءة عميقة لطبيعة الصراع، بعيداً عن ردود الفعل الآنية والشعارات العابرة. فما تتعرض له غزة والضفة الغربية والقدس ليس أزمات منفصلة أو ملفات متفرقة، وإنما هو استهداف متكامل لوحدة الأرض والشعب والقضية، باعتبار هذه المناطق وحدة جغرافية وسياسية ووطنية واحدة تشكل جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
إن العدوان على غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، والتهديدات المتواصلة للقدس، تأتي ضمن سياق واحد يستهدف الوجود الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة. فالمخططات الإسرائيلية لا تميز بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، بل تتعامل معها باعتبارها حلقات مترابطة في الصراع على الأرض والسيادة والهوية.
ومن هنا يبرز السؤال الوطني المشروع: أين القوى والفصائل الفلسطينية؟ وأين مواقف القيادات والتيارات والشخصيات التي تستعد لخوض أي استحقاق انتخابي أو تسعى إلى تمثيل الشعب الفلسطيني في مواقع المسؤولية؟
إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة شعارات انتخابية أو منافسات على الحضور الإعلامي، بل هي مرحلة اختبار حقيقي للمواقف والبرامج والقدرة على تحمل المسؤولية الوطنية. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والاستيطان والحصار والتهجير، لا يبحث عن خطابات مؤقتة أو حملات تسويق سياسي، وإنما ينتظر مشروعاً وطنياً جامعاً يجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل.
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد رواية أو كلمات منمقة أو خطاب عاطفي، وليست قضية قابلة للاختزال في الشعارات أو المواقف الانفعالية، بل هي قضية حقوق وطنية ثابتة، وحق أصيل في تقرير المصير، وقضية وطن وأرض وشعب وسيادة، تستند إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وإلى تاريخ طويل من النضال والتضحيات.
ولهذا فإن التعامل مع القضية الفلسطينية يتطلب فهماً عميقاً للقانون والسياسة والعلاقات الدولية، وليس مجرد انفعالات أو أحلام أو أحاديث فسفسطائية أو غوغائية لا تنتج استراتيجية ولا تحمي حقوقاً. فالمعركة الحقيقية هي معركة إرادة سياسية، وإدارة صراع، وبناء مؤسسات، وتوحيد الطاقات، وتحويل الحقوق الوطنية إلى برنامج عمل قادر على مواجهة الاحتلال على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، فإن تقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية، رغم أهميتها وقيمتها الاجتماعية والإنسانية، لا يمكن أن يُختزل باعتباره معياراً وحيداً للأهلية السياسية، أو بوابة للوصول إلى المجالس المنتخبة أو مواقع المسؤولية. فخدمة المواطن واجب وطني وأخلاقي، لكنها لا تعني بحد ذاتها امتلاك مشروع سياسي أو رؤية وطنية لمعالجة جذور الأزمة الفلسطينية.
إن رسم بسمة أمل في حياة المواطنين، أو تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي، أو القيام بمبادرات إنسانية، هي أعمال محمودة عندما تكون جزءاً من منظومة وطنية متكاملة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن مواجهة الاحتلال، أو عن برنامج سياسي يحمي الأرض والقدس وغزة والضفة الغربية كوحدة وطنية واحدة.
فجوهر معاناة الشعب الفلسطيني لا يكمن فقط في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، بل في استمرار الاحتلال، ومصادرة الأرض، وتوسيع الاستيطان، وانتهاك الحقوق الوطنية، ومحاولات فرض واقع سياسي وجغرافي جديد. ولذلك فإن أي مشروع قيادي لا يضع إنهاء الاحتلال ومواجهة مخططاته في صلب أولوياته يبقى بعيداً عن جوهر القضية.
كما أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى مراجعة وطنية جادة تعيد الاعتبار لقيم النزاهة والشفافية والمساءلة، وتواجه كل مظاهر الانحراف الإداري أو المحسوبية أو تغليب المصالح الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية العليا. فالقرار الوطني المستقل لا يمكن أن يترسخ إلا عبر مؤسسات قوية، وقيادات تمتلك الكفاءة، وتحالفات وعلاقات سياسية تخدم الحقوق الفلسطينية ولا تحرف البوصلة عن أهداف الشعب الفلسطيني.
إن القوى والفصائل والمرشحين أمام مسؤولية تاريخية: تقديم برامج واضحة حول حماية القدس، وتعزيز صمود غزة، ودعم الضفة الغربية، وإنهاء الانقسام، وبناء استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى القانون الدولي وتستثمر كل أدوات العمل السياسي والدبلوماسي والشعبي.
فالانتخابات، عندما تجري، ليست مجرد منافسة على المقاعد، وإنما هي عقد ثقة بين الشعب وممثليه. والمواطن الفلسطيني لن يقيس المرشحين بعدد الوعود أو حجم الحملات الدعائية، بل بمواقفهم تجاه القضايا المصيرية، وبقدرتهم على الدفاع عن الحقوق الوطنية، وبمدى امتلاكهم رؤية تتجاوز اللحظة الآنية نحو مشروع وطني قادر على الصمود.
إن غزة والضفة الغربية والقدس ليست ملفات منفصلة، بل هي فلسطين الواحدة، أرضاً وشعباً وقضية. وأي محاولة لتجزئة المعاناة أو التعامل معها كقضايا منفصلة تخدم عملياً محاولات الاحتلال تفكيك القضية وإضعاف وحدتها.
واليوم، يقف الجميع أمام امتحان التاريخ: القوى والفصائل والقيادات والمرشحون، فالمواقف ستبقى شاهداً، والشعب سيحكم على من حمل مسؤولية الدفاع عن قضيته، لا بمن رفع الشعارات، وإنما بمن امتلك الرؤية والإرادة والقدرة على تحويل الأقوال إلى أفعال.
فلسطين ليست مشروعاً انتخابياً، وليست عنواناً للمصالح الضيقة، وليست في سوق المقايضة والمسابقة  بل هي قضية وطن وحقوق وسيادة وحرية، تحتاج إلى قيادة ترتقي إلى مستوى تضحيات شعبها وتحديات مرحلتها التاريخية.
إعداد: المحامي علي أبو حبلة