الجمع بين المنصب الحكومي وعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح: بين النص التنظيمي ومتطلبات الإصلاح الوطني
الجمع بين المنصب الحكومي وعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح: بين النص التنظيمي ومتطلبات الإصلاح الوطني
قراءة قانونية وسياسية في لحظة فلسطينية فارقة
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تصبح القضايا التنظيمية شؤونًا داخلية معزولة، بل تتحول إلى مسائل وطنية تمس مستقبل المشروع السياسي برمته. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر حول جواز الجمع بين المنصب الحكومي وعضوية اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" يتجاوز حدود الجدل الإداري أو التنافس الداخلي، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل حركة فتح، وحدود العلاقة بين السلطة والحركة، وبين الوظيفة العامة والشرعية التنظيمية.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني أخطر مراحل قضيته الوطنية، في ظل حرب مفتوحة على غزة، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية، ومحاولات إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، إلى جانب أزمات داخلية سياسية واقتصادية ومؤسساتية متراكمة.
أولًا: ما بين النص القانوني وروح النظام الداخلي
من حيث الأصل، ووفق ما هو متاح من نصوص النظام الداخلي واللوائح التنظيمية لحركة فتح، لا يوجد نص صريح وواضح يمنع من يشغل منصبًا حكوميًا من الترشح أو الفوز بعضوية اللجنة المركزية. وبالتالي، فإن القاعدة القانونية التقليدية تقضي بأن ما لم يُحظر بنص، يبقى جائزًا من حيث الشكل.
غير أن القراءة القانونية الرصينة لا تتوقف عند ظاهر النصوص، بل تمتد إلى مقاصدها وروحها. فالأنظمة الداخلية للأحزاب والحركات السياسية لا تُفسَّر فقط بمنطق الإباحة الشكلية، وإنما أيضًا بمنطق حماية العدالة الداخلية، وصون تكافؤ الفرص، ومنع تضارب المصالح، وضمان استقلال القرار التنظيمي عن تأثيرات السلطة التنفيذية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد نص يمنع؟ بل: هل يخدم الجمع بين الموقعين المصلحة التنظيمية والوطنية؟
ثانيًا: ازدواجية السلطة والتنظيم
الجمع بين المنصب الحكومي وعضوية اللجنة المركزية يخلق بطبيعته حالة من الازدواجية في الوظيفة والدور. فالمسؤول الحكومي يعمل ضمن مؤسسة عامة يفترض أنها تخدم جميع المواطنين، بينما عضو اللجنة المركزية يتحرك داخل إطار تنظيمي حزبي له حساباته الداخلية وأولوياته السياسية.
وهنا تبرز إشكاليات جوهرية:
1. تضارب المصالح
قد يجد المسؤول نفسه بين قرارات تخدم المصلحة العامة، وأخرى تتأثر باعتبارات تنظيمية أو انتخابية داخلية.
2. اختلال تكافؤ الفرص
امتلاك المنصب الرسمي يمنح صاحبه حضورًا ونفوذًا وإمكانات قد لا تتوفر لباقي المرشحين، بما يخل بعدالة المنافسة الداخلية.
3. إرباك المساءلة
إذا أخفق المسؤول الحكومي، فهل يُحاسب بصفته وزيرًا أو مسؤولًا رسميًا، أم تُحمى مكانته بحصانة تنظيمية؟ وإذا وقع خلاف تنظيمي، فهل تتأثر المؤسسة الحكومية بذلك؟
4. خلط الدولة بالحركة
وهذا من أخطر الإشكاليات، إذ يؤدي إلى تآكل الحدود بين المال العام والنشاط التنظيمي، وبين الخدمة العامة والمصالح الحزبية.
ثالثًا: خصوصية التجربة الفلسطينية
لا يمكن تناول هذه المسألة بمعزل عن خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث لعبت حركة فتح دورًا مركزيًا في تأسيس السلطة الوطنية، وأصبحت العلاقة بين الحركة والسلطة متشابكة إلى حد كبير.
هذا التشابك كان مفهومًا في مرحلة التأسيس، حين كانت الحاجة قائمة لتأمين الاستقرار وبناء المؤسسات. لكنه مع مرور الوقت أفرز نتائج سلبية، أبرزها:
تراجع الحيوية التنظيمية لصالح البيروقراطية.
ربط الصعود الحركي بالموقع الوظيفي لا بالكفاءة النضالية والتنظيمية.
تحميل الحركة مسؤولية أداء الحكومة، وتحميل الحكومة أثمان الصراعات الداخلية.
تراجع ثقة الشارع بالمؤسسات الرسمية والتنظيمية معًا.
واليوم، بعد سنوات من الجمود السياسي والانقسام وتعثر الانتخابات العامة، لم يعد مقبولًا استمرار هذه الصيغة دون مراجعة.
رابعًا: المؤتمر الثامن... استحقاق تجديد أم إعادة إنتاج؟
المؤتمر العام الثامن لحركة فتح يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد مناسبة لانتخاب أعضاء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، بل باعتباره فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور الحركة في مرحلة ما بعد أوسلو، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية.
إن التحدي المطروح أمام المؤتمر ليس من يفوز بالمقاعد، بل:
كيف تستعيد فتح دورها كحركة تحرر وطني؟
كيف تُجدد نخبها القيادية؟
كيف تفصل بين إدارة السلطة وإدارة الحركة؟
كيف تبني نموذجًا ديمقراطيًا يعيد ثقة القواعد والجمهور؟
كيف تنتقل من منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة والمحاسبة؟
إذا غابت هذه الأسئلة، تحول المؤتمر إلى مجرد إعادة تدوير للنخبة ذاتها، وهو ما لا تحتمله المرحلة الوطنية الراهنة.
خامسًا: الرؤية القانونية والإصلاحية
من منظور قانوني ومؤسساتي، يمكن القول إن الجواز الشكلي لا يكفي. فالحركات الكبرى تُدار بالقواعد الحديثة للحكم الرشيد، لا فقط بالنصوص القديمة أو الأعراف المستقرة.
وعليه، فإن المصلحة الوطنية تقتضي أحد المسارات التالية:
المسار الأول: منع الجمع
بحيث يتفرغ عضو اللجنة المركزية للعمل القيادي والتنظيمي، ويتفرغ المسؤول الحكومي للعمل التنفيذي.
المسار الثاني: تنظيم الجمع بضوابط صارمة
مثل:
تعليق الصلاحيات الحكومية أثناء الترشح.
منع استخدام الموارد العامة في المنافسة الداخلية.
الإفصاح عن تضارب المصالح.
تحديد مدة زمنية للاختيار بين المنصبين بعد الفوز.
المسار الثالث: إعادة هيكلة العلاقة بين الحركة والسلطة
وهو المسار الأعمق، ويقوم على الفصل المؤسسي الكامل بين أجهزة السلطة ومؤسسات الحركة.
سادسًا: البعد الوطني الأشمل
القضية الفلسطينية تواجه اليوم خطر التصفية السياسية والجغرافية والديموغرافية. وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز أن تُستنزف الطاقات الوطنية في صراعات المواقع والمناصب. المطلوب هو قيادة موحدة، رشيدة، شفافة، وقادرة على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس المشاركة والشرعية.
وحركة فتح، بحكم تاريخها ومكانتها، مطالبة بأن تكون جزءًا من الحل، لا أسيرة لأزماتها الداخلية.
خاتمة
إن مسألة الجمع بين المنصب الحكومي وعضوية اللجنة المركزية ليست سؤالًا تقنيًا، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وفي طبيعة العلاقة بين الثورة والسلطة، وبين الحركة والدولة، وبين الشرعية التاريخية ومتطلبات الشرعية الديمقراطية.
فإذا أرادت حركة فتح أن تدخل مؤتمرها الثامن بروح جديدة، فإن أولى خطوات الإصلاح تبدأ من ترسيخ مبدأ الفصل بين النفوذ الرسمي والقرار التنظيمي، وتقديم الكفاءة على المنصب، والمصلحة الوطنية على الحسابات الفردية.
وفي زمن تتعرض فيه فلسطين لمحاولة اقتلاع شاملة، فإن أكبر خدمة يمكن أن تقدمها القوى الوطنية لشعبها هي أن تبدأ بإصلاح ذاتها، لأن من يعجز عن إدارة مؤسساته، يعجز عن إدارة معركته الوطنية.



