"جبريل الرجوب… كرامةٌ لا تُصافَح وصوتٌ يفضح المعاناة"

مايو 1, 2026 - 16:05
مايو 1, 2026 - 16:06
"جبريل الرجوب… كرامةٌ لا تُصافَح وصوتٌ يفضح المعاناة"

"جبريل الرجوب… كرامةٌ لا تُصافَح وصوتٌ يفضح المعاناة"

بقلم: د. منى أبو حمدية 

أكاديمية وباحثة 

في قاعةٍ ازدانت بأعلام العالم خلال أعمال FIFA، لم تكن اللحظة التي امتنع فيها جبريل الرجوب عن المصافحة لنظيره الاسرائيلي مجرد حدث عادي، بل تحوّلت إلى خطابٍ مكثّف تختلط فيه الرمزية بالواقع، وتُختبر فيه المعاني أمام عدسات العالم.

وحين قال جبريل الرجوب بوضوح: «نحن نعاني»، لم يكن يطلق عبارةً عابرة، بل كان يضع خلاصة واقعٍ كامل على طاولة الضمير الدولي.

لقد جاء موقف الرجوب ليؤكد أن الكرامة الوطنية تتقدّم على مقتضيات الشكل، وأن "البروتوكول" يفقد قيمته حين يتعارض مع جوهر العدالة. فالمصافحة، في هذا السياق، لم تعد إيماءة دبلوماسية، بل تحوّلت إلى موقف أخلاقي يُقاس بميزان الوطنية والانتماء.

لم يكن صوت جبريل الرجوب منفصلاً عن سياقٍ متراكم، بل جاء امتدادا لمعاناة تعيشها الرياضة الفلسطينية، وهو ما عبّر عنه صراحةً حين أشار إلى تعطّل الأنشطة الرياضية بفعل القيود والظروف المفروضة.

فالرياضي الفلسطيني، كما يعكسه طرح جبريل الرجوب، لا يواجه منافسةً متكافئة، بل يصطدم بقيود تحدّ من حركته ومشاركته، بما يقوّض أحد أهم مبادئ الرياضة العالمية: العدالة وتكافؤ الفرص.

وعند حدود التعبير الرمزي، لم يتوقف جبريل الرجوب، بل قدّم خطابا قانونياً واضحاً داخل أروقة FIFA، أعاد فيه طرح مسألة الأندية التي تنشط في أراضٍ فلسطينية دون موافقة الاتحاد الفلسطيني، معتبراً ذلك انتهاكاً صريحاً للأنظمة.

وقد أشار إلى أن التقارير المختصة وثّقت «انتهاكات جسيمة وخروقات تتعارض مع مبادئ عدم التمييز والمساواة وحقوق الإنسان»، مؤكداً أن هذه الاستنتاجات صادرة عن لجان الفيفا ذاتها، وليست مجرد رواية فلسطينية.

في ذروة المشهد، وحين طُرحت فكرة المصافحة، جاء موقف جبريل الرجوب حاسماً وواضحاً :

«كيف يمكنني مصافحة شخص يمثل حكومة تمارس سياسات عنصرية؟»

بهذا السؤال، نقل جبريل الرجوب القضية من بعدها "الشخصي" إلى بعدها "السياسي والأخلاقي" معاً، مؤكداً أن المصافحة ليست التزاماً شكلياً، بل فعل يحمل دلالاته، ولا يمكن فصله عن الواقع الذي يمثله الطرف الآخر.

كما شدّد جبريل الرجوب على مطلب واضح: ضرورة وقف تنظيم وتمويل الأنشطة الكروية في الأراضي المحتلة، باعتبارها مخالفةً للقانون الدولي ولوائح الفيفا، في تأكيد على أن اللجوء إلى الأطر القانونية يعكس إيمانا عميقا بالعدالة، لا انكفاءً عنها.

هكذا، لم يكن موقف جبريل الرجوب لحظةً عابرة، بل "بنية متكاملة من المعنى": 

١- صوتٌ يعلن المعاناة.

٢- وموقفٌ يحفظ الكرامة.

٣- ومسارٌ قانوني يسعى إلى الإنصاف.

وبالمجمل؛ إنه تذكير بأن فلسطين، حتى في الفضاءات الرياضية، ليست هامشاً ، بل مركزاً تُقاس عليه المواقف، وتُختبر عنده المبادئ والاخلاق.

وفي ختام هذا المشهد، يبقى المعنى الأعمق حاضراً:

أن هناك مواقف لا تُصافَح، لأن خلفها ذاكرةً لا تقبل الاختزال، وكرامةً لا تُقايَض.

طوبى للشرفاء والأحرار الذين يقرؤون في الصمت مواقف،

وطوبى لحركةٍ أنجبت الثوار والثائرين، وفي طليعتها حركة فتح، حيث تبقى الفكرة حيّة، ما بقي في هذا الوطن من يكتب اسمه بمداد الصمود.