الانقسام الفلسطيني بين إدارة الواقع وتداخل المصالح: قراءة في الاقتصاد السياسي للأزمة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الانقسام الفلسطيني بين إدارة الواقع وتداخل المصالح: قراءة في الاقتصاد السياسي للأزمة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكّل الواقع الفلسطيني الممتد منذ عام 2007 حتى اليوم حالة سياسية معقدة، لا يمكن فهمها فقط من زاوية الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل من خلال تحليل أعمق للبنية الاقتصادية والإدارية التي نشأت وتكرست في ظل هذا الانقسام، وما أفرزه من تداخل بين الاعتبارات الوطنية ومتطلبات إدارة الواقع القائم.
ومع مرور الوقت، لم يعد الانقسام مجرد حالة طارئة، بل تطوّر إلى بنية مؤسسية وإدارية واقتصادية لها انعكاساتها المباشرة على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وعلى مسارات العمل الوطني برمته.
أولاً: منطق إدارة الواقع وتراجع المشروع الوطني الجامع
شهدت الحالة الفلسطينية خلال السنوات الماضية انتقالاً تدريجياً من منطق المشروع الوطني الجامع إلى منطق إدارة الواقع القائم، بما يحمله ذلك من تحديات على مستوى الرؤية السياسية ووحدة القرار.
وقد أسهم هذا التحول في تكريس واقع مؤسسي مزدوج، تُدار فيه الجغرافيا الفلسطينية عبر نظامين إداريين منفصلين، الأمر الذي انعكس على وحدة القرار السياسي، وعلى فعالية المؤسسات الوطنية الجامعة.
ثانياً: الاقتصاد السياسي للانقسام وتعدد مراكز المصالح
أفرز استمرار الانقسام بيئة اقتصادية وإدارية خاصة، يمكن توصيفها بـ“الاقتصاد السياسي للانقسام”، حيث أصبحت إدارة الموارد والفرص والمساعدات محكومة بتوازنات معقدة بين الفصائل والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين.
وفي هذا السياق، برزت شبكات مصالح متعددة المستويات، تشمل:
نخباً سياسية وإدارية مرتبطة بمواقع القرار.
أطرافاً اقتصادية تعمل في مجالات الوساطة والتجارة في بيئة مقيدة.
قطاعات خدمية نشأت ضمن بنى بيروقراطية متضخمة.
فاعلين اقتصاديين تكيفوا مع واقع الحصار والقيود.
ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن السياق العام، حيث تتداخل فيها الضرورات المعيشية مع البنية السياسية القائمة.
ثالثاً: أثر الانقسام على البنية المؤسسية والمصالحة الوطنية
أدى استمرار الانقسام إلى تعميق التباين المؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بما انعكس على وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وأضعف من فاعلية المؤسسات الجامعة.
كما أن أي تقدم في مسار المصالحة يظل مرتبطاً بجملة من الاعتبارات السياسية والإدارية المعقدة، تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات، وإعادة توزيع الصلاحيات، وتوحيد المرجعيات، وهو ما يجعل مسار الوحدة الوطنية بحاجة إلى توافقات أعمق وأكثر شمولاً.
رابعاً: التحولات الاقتصادية في ظل الأزمات المتتالية
مع تصاعد الأحداث منذ أكتوبر 2023، ولا سيما في قطاع غزة، برزت تحديات اقتصادية وإنسانية كبيرة، تمثلت في تراجع حاد في مستوى المعيشة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتعقيد عمليات الإمداد والتجارة.
وقد أفرز هذا الواقع أنماطاً اقتصادية جديدة مرتبطة بإدارة الأزمة، وهو ما أضاف طبقة إضافية من التعقيد على المشهد الاقتصادي الفلسطيني، دون أن يكون ذلك بمعزل عن السياق السياسي العام.
خامساً: نحو مقاربة وطنية أكثر شمولاً
إن تجاوز الحالة الراهنة يتطلب مقاربة وطنية شاملة تتجاوز إدارة الانقسام إلى معالجته من جذوره البنيوية، وذلك من خلال:
تعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
إعادة تفعيل المؤسسات الوطنية الجامعة وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية.
ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة.
توحيد المرجعيات الإدارية والاقتصادية.
بناء توافق وطني قائم على الشراكة السياسية الحقيقية.
خاتمة
إن التحدي الفلسطيني الراهن لا يقتصر على معالجة الانقسام السياسي فقط، بل يمتد إلى معالجة التداعيات البنيوية التي نشأت في ظله، بما في ذلك التداخل بين السياسة والاقتصاد والإدارة.
وفي هذا السياق، يبقى استعادة وحدة القرار الوطني وتفعيل المؤسسات الجامعة مدخلاً أساسياً لأي مسار يهدف إلى تعزيز القدرة الفلسطينية على مواجهة التحديات الراهنة وصون المشروع الوطني في أبعاده السياسية والقانونية والتاريخية.



