طولكرم… مدينة الوداعة ووحدة النسيج الاجتماعي: نحو استنهاض الدور واستعادة المكانة
طولكرم… مدينة الوداعة ووحدة النسيج الاجتماعي: نحو استنهاض الدور واستعادة المكانة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تظل طولكرم واحدة من أبرز مدن الوطن التي شكّلت عبر تاريخها نموذجًا متقدمًا في التماسك المجتمعي، حيث امتزجت فيها قيم المحبة والوداعة بوحدة النسيج الاجتماعي، لتُقدّم صورة حضارية مشرقة عن المجتمع الفلسطيني القائم على التعددية والتكافل والاحترام المتبادل.
في هذه المدينة التي نشأنا في أحيائها، وشربنا من مائها، واستنشقنا هواءها، تتجسد معاني الانتماء الحقيقي؛ فهي ليست مجرد مكان جغرافي، بل حالة وجدانية جامعة، احتضنت أبناءها على اختلاف توجهاتهم، ونجحت عبر عقود في الحفاظ على توازنها الاجتماعي رغم التحديات.
وقد عكست فترة الدعاية الانتخابية لانتخابات المجلس البلدي مؤخرًا، إلى حدّ كبير، هذا الوعي الجمعي، حيث التزمت معظم الكتل بروح المسؤولية، واحترمت خصوصية النسيج الاجتماعي. غير أن المرحلة المقبلة، بما تحمله من نتائج واستحقاقات، تتطلب ترسيخ ثقافة تقبّل الآخر، واحترام نتائج العملية الديمقراطية بروح رياضية، بعيدًا عن أي توترات قد تمس وحدة المجتمع أو تعكر صفو العلاقات العائلية والعشائرية والسياسية.
إن ما يميز طولكرم حقًا هو عطاؤها المتجذر في وجدان أبنائها؛ فقد سجّل التاريخ نماذج مشرّفة من الكرم المجتمعي، تجلت في بناء المدارس والمستشفيات والمرافق العامة، في دلالة واضحة على عمق الانتماء والمسؤولية الجماعية. هذه القيم الأصيلة لم تكن طارئة، بل هي امتداد لتربية راسخة تشكّلت عبر الأجيال، وأسست لهوية مدينة ناصعة البياض في مواقف أبنائها.
كما أن طولكرم، التي طالما كانت حاضنة للعلم والمعرفة، قدّمت للوطن نخبة من العلماء والمثقفين والأدباء، ممن تبوأوا مواقع متقدمة وأسهموا في بناء الوعي الوطني والثقافي. وهذا الإرث العلمي والثقافي يشكّل ركيزة أساسية ينبغي البناء عليها في أي مشروع نهوض مستقبلي.
ومن هنا، فإن الحفاظ على صورة طولكرم كمدينة للمحبة والوئام لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومجتمعية. إذ لا يجوز، تحت أي ظرف، السماح لأي جهة أو فئة بمحاولة النيل من وحدتها أو العبث بنسيجها الاجتماعي، أو استغلال التباينات لتحقيق أجندات ضيقة لا تخدم المصلحة العامة.
إن المرحلة الراهنة تستدعي من أبناء طولكرم كافة الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، والتصدي لكل محاولات بث الفرقة أو التحريض، مع التمسك بالقيم التي تربوا عليها من تسامح واعتدال، ورفض الانقياد الأعمى وراء العواطف أو الشعارات، دون تحكيم العقل والمصلحة العامة.
كما آن الأوان لاستعادة المبادرة، وتمكين الكفاءات الوطنية الصادقة من تصدّر المشهد، بعيدًا عن الإقصاء أو التهميش. فطولكرم، بتاريخها وإمكاناتها، تستحق أن يقود مؤسساتها ومجتمعها المدني من يتمتعون بالنزاهة والقدرة والرؤية، وأن يكونوا في طليعة العمل لإعادة استنهاض المدينة وتعزيز حضورها ودورها.
إن طولكرم التي نعرفها، بتنوعها الاجتماعي، تشبه فسيفساء متكاملة الألوان، لا يكتمل جمالها إلا بتكامل مكوناتها. والحفاظ على هذا التنوع، وصونه من التصدعات، هو مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا وإرادة حقيقية.
ختامًا، فإن الدعوة موجّهة لكل أبناء طولكرم، للحفاظ على صورتها الناصعة، وصون وحدتها، وتعزيز قيم المحبة والوداعة التي شكّلت هويتها، والعمل معًا، بروح الفريق الواحد، لاستعادة مكانتها ودورها الريادي، بما يليق بتاريخها وأهلها.



