حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وماعز الجبل
محمد قاروط أبو رحمه
حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وماعز الجبل
محمد قاروط أبو رحمه
الملخص:
يتناول المقال رأي شخصي في الفلسفة النضالية والسياسية لحركة "فتح"، رابطاً بين الرمزية الفطرية لـ "ماعز الجبل" في قدرته على الصمود في التضاريس الوعرة، وبين سلوك الحركة الذي يجمع بين صلابة الموقف المستقل والبراغماتية السياسية. يشرح المقال كيف استلهمت فتح من "الوعل" قدرته على المناورة والنجاة في الأزمات مع الحفاظ على رأس مرفوع وقرار وطني خالص.
المقدمة:
في تاريخ الثورات التحررية، لا تقتصر الرموز على الأعلام والشعارات، بل تمتد لتستعير من الطبيعة صفات البقاء والتحدي. ولعل حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) هي الأبرز في تجسيد صورة "ماعز الجبل"؛ ذلك الكائن الذي لا يعرف الانكسار أمام المرتفعات الشاهقة ولا يضل طريقه في المنعطفات الخطرة. لم تكن هذه الرمزية مجرد وصف لحياة الفدائيين في القواعد الجبلية الأولى، بل تحولت إلى عقيدة سياسية تُعرف بـ "فن العمل والمناورة بهدف الإنجاز البقاء " في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والقادرين على التكيف.
صاغت "فتح" هويتها كظاهرة استثنائية تجمع بين وعورة الجبال ودهاليز السياسة. انطلقت الحركة من منحدرات الأغوار وجبال نابلس والخليل، حيث كان الفدائي الأول يشبه "الوعل" في قدرته الفائقة على التمويه والعيش بأقل الموارد، محولاً البيئة الجبلية القاسية إلى حصن يحمي الثورة من التكنولوجيا العسكرية المتفوقة.
هذه البيئة الجبلية لم تكن ملجأً عسكرياً فحسب، بل كانت مدرسة لترسيخ "استقلالية القرار الوطني". فكما لا يقبل ماعز الجبل التبعية أو السير في قطيع مُدجن، رفضت "فتح" الوصاية الإقليمية والدولية، وخاضت معارك سياسية مريرة للحفاظ على قرار فلسطيني خالص، نابع من خنادق الأرض لا من جداول أعمال العواصم.
وهنا تبرز البراغماتية السياسية لفتح كأداة لحماية هذا الموقف المستقل. فالبراغماتية الفتحاوية تشبه حركة الماعز على حواف المنحدرات؛ فهي تمتلك الحاسة السادسة لتوقع الأخطار، وتجيد تغيير المسارات دون السقوط في الهاوية. لقد آمنت الحركة بأن "السياسة هي رفض الواقع وتغييره"، فانتقلت بخفة من بندقية الثائر إلى غصن زيتون الدبلوماسي، محولةً الضغوط الكبرى إلى فرص لتثبيت الهوية الفلسطينية على خارطة العالم، معتبرة أن المرونة في الوسيلة لا تعني التفريط في الغاية.
الخاتمة:
إن "فتح" في جوهرها هي هذا المزج الفريد بين عناد الجبال ومرونة الوعل. هي الحركة التي تتقن الصمود في "الوعر" حين يكون التحدي واجباً، وتجيد النزول إلى "السهل" لإدارة التفاوض والمناورة حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. ستبقى رمزية ماعز الجبل تلاحق هذه الحركة، بوصفها تعبيراً عن كينونة فلسطينية تأبى التدجين، وتصر على المضي في مسالكها الوعرة نحو الحرية بقرار مستقل لا ينحني للعواصف.



