لماذا فشلت الضغوط الأمريكية في تفكيك النظام الإيراني؟ قراءة في أدوات البقاء والتحالفات
تساءلت تقارير صحفية دولية عن الأسباب الكامنة وراء إخفاق الولايات المتحدة في تفكيك النظام الإيراني، رغم الوعود المتكررة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بأن أيام طهران باتت معدودة. وأشارت المصادر إلى أن التهديدات بلغت ذروتها بتصريحات ترامب حول زوال الحضارة الإيرانية، إلا أن الواقع الميداني أظهر قدرة النظام على الصمود لأكثر من شهر تحت وطأة القصف العسكري العنيف.
انتهت المواجهة العسكرية الأخيرة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو ما اعتبره مراقبون نصراً تكتيكياً يسمح لإيران بالاحتفاظ بنفوذها الاستراتيجي على الممرات البحرية الحيوية. وتُظهر هذه القدرة على المقاومة، رغم الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة واغتيال قيادات بارزة، مدى تجذر آليات البقاء لدى الأنظمة التي تعتمد على القبضة الأمنية والدعاية الأيديولوجية المكثفة.
على مدار عقود، طورت طهران ترسانة من الأدوات السياسية والاجتماعية لحماية كيان الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية على حد سواء. وتشمل هذه الأدوات القمع السياسي الواسع، ونشر أيديولوجية الاستشهاد، وبناء جهاز أمني معقد يهدف بالدرجة الأولى إلى منع أي اهتزاز في بنية الحكم تحت الضغوط الدولية.
يرى خبراء في الشؤون الإيرانية أن الأولوية القصوى للنظام في طهران هي البقاء بأي ثمن، وهو ما يدفع النخبة الحاكمة وحتى قطاعات من الشعب للالتفاف حول القيادة في لحظات الخطر الوجودي. وتتشابه هذه الحالة مع نماذج دولية أخرى مثل روسيا وكوريا الشمالية وكوبا، حيث تظهر هذه الأنظمة قدرة استثنائية على تحمل الألم الاقتصادي والمعاناة البشرية.
في النموذج الروسي، استخدم الرئيس فلاديمير بوتين مزيجاً من الخطاب القومي المعادي للغرب والحوافز الاقتصادية الموجهة لمواجهة العقوبات القاسية. وقد ساعدت هذه التكتيكات الكرملين على الحفاظ على استقرار السلطة رغم الحرب المستمرة في أوكرانيا التي استنزفت موارد ضخمة وأدت إلى خسائر بشرية هائلة في صفوف الجيش الروسي.
أما في كوريا الشمالية، فقد استمرت سلالة آل كيم في الحكم لعقود طويلة رغم العزلة الدولية والمجاعات المتكررة وانتهاكات حقوق الإنسان. ويعتمد النظام هناك على تعتيم معلوماتي صارم وتصوير الولايات المتحدة كعدو وجودي يهدد بقاء الأمة، مما يبرر التضحيات الجسيمة التي يفرضها على الشعب الكوري الشمالي.
تشير المصادر إلى أن إيران نجحت في قمع الاحتجاجات الداخلية بعنف، مستخدمة رواية الحصار من قبل إسرائيل والولايات المتحدة لتعزيز شرعيتها. والنتيجة هي تشكل 'محور' من الدول المصممة على تحدي النظام العالمي الذي تقوده واشنطن، حيث تخرج هذه القيادات من الأزمات أكثر إصراراً على مواجهة الضغوط الخارجية.
خلال الأيام الماضية، رصدت مقاطع فيديو تجمع الإيرانيين حول منشآت مدنية وجسور كانت هدفاً لتهديدات ترامب، في رسالة تحدٍ واضحة. ورغم هذا التماسك الظاهري، إلا أن غياب الصحافة الحرة والضوابط الديمقراطية قد يحجب عن القادة رؤية الانقسامات العميقة التي قد تنفجر في أي لحظة وتهدد استقرار السلطة بشكل مفاجئ.
استفادت الأنظمة الاستبدادية من تجارب 'الربيع العربي' التي أطاحت بحكام في مصر وتونس وليبيا، حيث عملت على تطوير أدوات قمعية أكثر تطوراً. وشمل ذلك تعزيز القدرات التقنية لقطع الإنترنت عن المتظاهرين ومراقبة الفضاء الرقمي بشكل دقيق لمنع تنظيم أي حركات معارضة فعالة على الأرض.
في روسيا، أحكم بوتين قبضته على السلطة منذ بداية الحرب في أوكرانيا، حيث تم تجريم أي معارضة للعمليات العسكرية وسجن المنتقدين لأسباب بسيطة. كما تم حظر منصات التواصل الاجتماعي العالمية مثل 'واتساب' و'يوتيوب'، واستبدالها بوسائل إعلام محلية تروج للرواية الرسمية التي تشبه الحرب الحالية بالانتصار على النازية.
تتجه هذه الأنظمة نحو عسكرة المجتمعات من خلال إدراج دروس الوطنية والتدريبات العسكرية في المناهج المدرسية لضمان ولاء الأجيال القادمة. والرسالة الدائمة التي تبثها الماكينات الإعلامية في هذه الدول هي أن الدولة في حالة انتصار دائم، وأن أي تراجع هو خيانة للوطن وللقيم القومية العليا.
في بيلاروسيا، لم يتردد الرئيس ألكسندر لوكاشينكو في سجن الآلاف عقب انتفاضة عام 2020، مؤكداً على ضرورة التعاون مع حلفاء مثل كوريا الشمالية لحماية السيادة. ويعكس هذا التوجه تزايد التنسيق بين الأنظمة لتبادل الخبرات في مجال القمع التكنولوجي والأمني لمواجهة ما يصفونه بالتدخلات الغربية.
كشفت تقارير استخباراتية أن إيران استخدمت تكنولوجيا روسية متطورة لتعطيل خدمات الإنترنت بشكل انتقائي خلال الاحتجاجات الأخيرة. وسمحت هذه التقنية للنظام بقطع الاتصالات عن المتظاهرين مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الحكومية والمصرفية، مما قلل من تأثير الاضطرابات على مفاصل الدولة الحيوية.
إلى جانب الدعم التكنولوجي، أرسل الكرملين مركبات مدرعة وأسلحة خفيفة لمساعدة أجهزة الأمن الإيرانية في السيطرة على الشارع. هذا التعاون العسكري والتقني يثبت أن التحالف بين هذه الدول تجاوز التفاهمات السياسية إلى شراكة ميدانية تهدف إلى إحباط أي محاولة لتغيير الأنظمة من الداخل أو الخارج.





