حين ينقلب الإعلام إلى الضد: إخفاق تقدير الموقف وتآكل المصداقية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أبريل 12, 2026 - 10:41
حين ينقلب الإعلام إلى الضد: إخفاق تقدير الموقف وتآكل المصداقية

حين ينقلب الإعلام إلى الضد: إخفاق تقدير الموقف وتآكل المصداقية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في البيئات المتوترة سياسياً وأمنياً، لا يُقاس نجاح الإعلام بقدرته على بث الرسائل فحسب، بل بمدى دقته في تقدير الموقف واستشراف ردود الفعل. فالإعلام، بوصفه أداة توجيه وإرشاد، قد يتحول—عند سوء التقدير—إلى عامل ارتداد استراتيجي، حيث تنقلب الرسالة على غايتها، ويتحوّل التأثير المنشود إلى نقيضه، فتتآكل المصداقية وتضطرب الثقة العامة.
لقد نبّهت أدبيات الفكر السياسي والإعلامي إلى هذه الإشكالية مبكراً. يشير والتر ليبمان إلى أن الجمهور يتفاعل مع “صور ذهنية” يصنعها الإعلام أكثر مما يتفاعل مع الواقع ذاته، ما يعني أن أي خلل في بناء هذه الصور—سياقاً أو توقيتاً—يُفضي إلى إدراك مضلِّل. ويذهب نعوم تشومسكي إلى أن هندسة الرأي العام قد تنجح مرحلياً، لكنها تفقد فعاليتها عندما تنكشف فجوة السردية مع الوقائع، فتتحول “صناعة القبول” إلى “أزمة ثقة”.
ومن زاوية أخرى، يؤكد مارشال ماكلوهان أن “الوسيلة هي الرسالة”، أي أن طبيعة الوسيط وتوقيته وآلية بثه قد تعيد تشكيل المعنى، فتضخّم أو تُفرغ المحتوى من دلالاته. وإذا أُضيف إلى ذلك سوء تقدير البيئة الاجتماعية والسياسية، يصبح الأثر التراكمي للرسائل مُربكاً، بل ومناقضاً للأهداف المعلنة. أما أنطونيو غرامشي فيحذّر من أن فقدان الاتساق بين الخطاب الإعلامي والواقع المعيش يُضعف “الهيمنة الثقافية” ويفتح المجال لخطابات مضادة أكثر جاذبية. وفي توصيف أكثر حدّة، يرى جان بودريار أن تضخيم التمثيلات الإعلامية قد يخلق “واقعاً فائقاً” ينفصل عن الحقيقة، وما إن ينكشف هذا الانفصال حتى تنقلب السردية إلى عبء على صانعها.
أولاً: خطأ تقدير الموقف كمنشأ للارتداد الإعلامي
الرسالة الإعلامية ليست نصاً معزولاً، بل فعلٌ سياقي. تجاهل موازين القوى، وحساسية اللحظة، وخصائص الجمهور، يؤدي إلى نتائج عكسية: خطاب تعبوي مبالغ فيه يثير السخرية، أو تطمينات غير دقيقة تُقابل بفقدان الثقة، أو شيطنة مفرطة للآخر تُنتج تعاطفاً معاكساً. هنا يتحول الإعلام من أداة ضبط إلى عامل فوضى معرفية.
ثانياً: سوء قراءة رد الفعل وتداعياته
في عصر المنصات الرقمية، يتضخم أثر “رد الفعل” بسرعة غير مسبوقة. إن عدم استباق تفاعلات الجمهور—وخاصة في بيئات الاستقطاب—يحوّل الرسالة إلى شرارة تُغذّي “فقاعات الترشيح” وتُعمّق الانقسام. وقد تنقلب حملات الترويج لفكرة ما إلى حملات مضادة، ليس لضعف الفكرة بحد ذاتها، بل لسوء توقيت طرحها أو لافتقارها إلى حساسية السياق.
ثالثاً: النفاق الإعلامي وتآكل الرصيد المعنوي
حين يلمس المتلقي ازدواجية المعايير—بين خطاب يُقال وواقع يُرى—ينشأ ما يمكن تسميته بـ“النفاق الإعلامي”. هذا النمط لا يُضعف رسالة بعينها فحسب، بل يضرب الرصيد التراكمي للمصداقية. ومع كل تناقض غير مُفسَّر، تتآكل الثقة، ويصبح أي خطاب لاحق—ولو كان دقيقاً—موضع شك.
رابعاً: من القيادة الإعلامية إلى الحوكمة الاستراتيجية
المشكلة ليست في الرسالة وحدها، بل في من يقودها وكيف. القيادة الإعلامية الفاعلة تتطلب:
بناء منظومات تقدير موقف ديناميكية تستند إلى بيانات ميدانية وتحليل اتجاهات الرأي.
اعتماد اختبارات مسبقة للرسائل  لقياس احتمالات الاستقبال والارتداد.
تحقيق اتساق سردي بين الخطاب والواقع، وتقديم تفسيرات شفافة عند التباين.
إدارة الأزمات الاتصالية بسرعة ومهنية، لتقليل فجوة الثقة.
إن الجهل بتقدير الموقف—كما تؤكد أدبيات العلوم الاجتماعية—لا ينتج فقط أخطاء تكتيكية، بل يُحدث إرباكاً بنيوياً في الإدراك العام، وقد يقود إلى نتائج عكسية على مستوى السياسات والشرعية.
خلاصة استراتيجية
الإعلام سلاح ذو حدين، لكن حدَّه الأخطر يظهر حين يُدار بلا وعي استراتيجي. فالترويج لفكرة دون فهم سياقها، أو توجيه رسالة دون استشراف رد فعلها، كفيل بأن يحوّل التأثير إلى نقيضه. وبين خطابٍ يفقد مصداقيته وجمهورٍ يفقد ثقته، تتسع الفجوة التي يصعب ردمها لاحقاً. وعليه، فإن من يقود الإعلام مطالبٌ بأن يجمع بين المعرفة والمهارة والتقدير الدقيق للموقف؛ وإلا فإن كلفة الجهل لن تكون إعلامية فحسب، بل سياسية واجتماعية واستراتيجية بامتياز.