تجّار الحروب … حين يتحول الحصار إلى فرصة للاستغلال
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تجّار الحروب … حين يتحول الحصار إلى فرصة للاستغلال
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في الحالة الفلسطينية، لا تُقاس تداعيات الحروب والأزمات بالمعايير التقليدية، فالشعب الفلسطيني يعيش أصلًا تحت وطأة واقع اقتصادي هش، يتسم بالحصار، وقيود الاحتلال الإسرائيلي، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية. ومع كل تصعيد إقليمي أو توتر سياسي، تتفاقم هذه الأزمات، لتكشف عن اختلالات عميقة في بنية السوق، وتفتح المجال أمام ممارسات استغلالية خطيرة، يأتي في مقدمتها الاحتكار ورفع الأسعار تحت ذرائع مختلفة.
لا خلاف على أن الأوضاع السياسية والأمنية، وما يفرضه الاحتلال من قيود على الحركة والتجارة، تؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد وتكاليف الاستيراد. غير أن ما يشهده السوق الفلسطيني في فترات الأزمات يتجاوز حدود التأثير الطبيعي، حيث يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، مستغلين حالة القلق العام، وغياب البدائل، وضعف الرقابة الفاعلة في بعض الأحيان.
إن خطورة هذه الظاهرة في السياق الفلسطيني تكمن في أنها لا تستهدف مجتمعًا مستقرًا اقتصاديًا، بل مجتمعًا يعاني أصلًا من الفقر والبطالة وغياب الأفق. فالمواطن الفلسطيني الذي يواجه تحديات يومية لتأمين احتياجاته الأساسية، يجد نفسه ضحية مضاعفة؛ مرة بسبب الاحتلال وإجراءاته، ومرة أخرى بسبب جشع بعض من يفترض أنهم شركاء في معركة الصمود.
إن الاحتكار ورفع الأسعار في فلسطين لا يمكن النظر إليهما كمجرد مخالفات اقتصادية، بل يجب التعامل معهما باعتبارهما مساسًا مباشرًا بمقومات الصمود الوطني. ففي ظل الحصار، تتحول السوق إلى جزء من معادلة المواجهة، ويصبح الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفر السلع الأساسية مسألة ترتبط بالأمن الاجتماعي، بل وبالأمن الوطني بمفهومه الشامل.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة لتفعيل دور الجهات الرقابية، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد الوطني، لحماية المستهلك، وضبط الأسواق، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاحتكار أو التلاعب بالأسعار. فالقانون يجب أن يكون حاضرًا بقوة، خاصة في أوقات الأزمات، وأن تُفرض عقوبات رادعة تضع حدًا لهذه الممارسات التي تُضعف الجبهة الداخلية.
وفي المقابل، تقع على عاتق التجار مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقل أهمية، فالتاجر في فلسطين ليس مجرد فاعل اقتصادي، بل شريك في معركة البقاء. والربح المشروع لا يتعارض مع الضمير، لكنه يصبح مدانًا حين يُبنى على معاناة الناس واستغلال ظروفهم القهرية.
أما المواطن، فيبقى عنصرًا أساسيًا في معادلة ضبط السوق، من خلال تعزيز الوعي الاستهلاكي، ومقاطعة كل من يستغل الأزمات، والإبلاغ عن أي ممارسات احتكارية، بما يسهم في خلق حالة من الردع المجتمعي إلى جانب الردع القانوني.
إن التجربة الفلسطينية عبر العقود أثبتت أن قوة المجتمع لا تكمن فقط في قدرته على مواجهة الاحتلال، بل أيضًا في تماسكه الداخلي، وتكافله الاجتماعي، ورفضه لكل أشكال الاستغلال. واليوم، وفي ظل هذه الظروف الصعبة، يصبح الحفاظ على هذه القيم ضرورة وطنية ملحّة، لا خيارًا أخلاقيًا فحسب.
في المحصلة، لا يجوز أن يتحول الحصار إلى ذريعة، ولا الأزمات إلى فرصة للربح غير المشروع. فالسوق الفلسطيني يجب أن يبقى منضبطًا بقيم العدالة والمسؤولية، وأن يخضع لرقابة حقيقية تضمن حماية المواطن.
ففلسطين لا تُحاصر فقط بالجدران والحواجز… بل تُحاصر أيضًا حين يُترك المواطن فريسة لجشع السوق. وحمايتها تبدأ من صون كرامة أبنائها، وضمان عدالة لقمة عيشهم.



