بين التصعيد والاحتواء مع إيران وموقع الدول الإقليمية في معادلة التوازن
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
بين التصعيد والاحتواء مع إيران وموقع الدول الإقليمية في معادلة التوازن
بقلم: المحامي علي أبو حبلة –
في ظل التصاعد المتسارع للتوترات الإقليمية، وما يرافقه من مؤشرات سياسية وعسكرية متشابكة، تتجه الأنظار إلى طبيعة التحولات الجارية في بنية الصراع في الشرق الأوسط، خاصة مع بروز دعوات لتوسيع نطاق المواجهة مع إيران وتحويلها من نزاع محدود إلى إطار دولي أوسع. وفي هذا السياق، تعكس التصريحات المنسوبة إلى بنيامين نتنياهو توجهاً نحو إعادة تعريف الصراع باعتباره تحدياً دولياً يتطلب انخراط أطراف متعددة.
وبغض النظر عن دقة هذه التصريحات أو سياقها الكامل، فإنها تنسجم مع مقاربة استراتيجية تهدف إلى تقاسم الأعباء العسكرية والسياسية، وإضفاء قدر من الشرعية الدولية على أي تصعيد محتمل، عبر توسيع قاعدة المشاركين فيه. إلا أن هذه المقاربة تصطدم بواقع إقليمي أكثر ميلاً إلى الحذر، حيث تبرز مواقف عدد من الدول المؤثرة التي تتبنى نهجاً يقوم على إدارة التوازنات وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في مقدمة هذه الدول، تبرز المملكة العربية السعودية، التي تنتهج سياسة تقوم على تقليل التوترات الإقليمية، والتركيز على أولويات التنمية والاستقرار الداخلي، ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى. ويعكس هذا التوجه إدراكاً عميقاً لمخاطر الانخراط في صراعات مفتوحة، وما قد تفرضه من أعباء اقتصادية وأمنية يصعب احتواؤها.
وبموازاة ذلك، تلعب دول إقليمية أخرى أدواراً متوازنة ومؤثرة، من بينها الأردن، الذي يواصل التأكيد على أهمية الاستقرار الإقليمي والحلول السياسية، مستنداً إلى موقعه الجيوسياسي الحساس ودوره التقليدي في الوساطة. كما تبرز قطر كفاعل دبلوماسي نشط، يعتمد على أدوات الوساطة والانخراط مع مختلف الأطراف، في محاولة لاحتواء الأزمات وتفكيك بؤر التوتر.
أما تركيا، فتتبنى مقاربة مركبة تجمع بين الحضور السياسي والعسكري، والسعي للحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الإقليمية وعلاقاتها الدولية، بما يتيح لها هامش حركة واسع في إدارة الأزمات. وفي السياق ذاته، تؤكد مصر على ثوابت الاستقرار الإقليمي، ورفض توسيع دائرة الصراع، انطلاقاً من دورها التاريخي ومصالحها الاستراتيجية المرتبطة بأمن المنطقة.
وفي تطور لافت، برزت باكستان كمنصة للحوار الإقليمي، من خلال استضافتها اجتماعاً لوزراء خارجية كل من السعودية وتركيا ومصر وباكستان، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لضرورة التنسيق الجماعي لاحتواء التصعيد. ويكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصة، كونه يجمع دولاً ذات ثقل سياسي واستراتيجي، تسعى إلى بلورة مقاربة مشتركة تقوم على منع توسع الصراع، وتعزيز فرص الحلول الدبلوماسية.
ولا يمكن إغفال دور الولايات المتحدة في هذا المشهد، حيث تبدو مواقفها محكومة بتوازن دقيق بين دعم حلفائها، وتجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة. كما أن التصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية بارزة، مثل دونالد ترامب، تعكس وجود تباينات داخلية حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني، وهو ما يحدّ من فرص تشكل تحالف دولي متماسك بالمعنى التقليدي.
ومن الناحية القانونية، فإن أي توجه نحو تدويل الصراع وضم أطراف جديدة إلى العمليات العسكرية يثير إشكاليات جوهرية، في ظل غياب تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي. فالقانون الدولي يضع قيوداً واضحة على استخدام القوة، ولا يجيزها إلا في إطار الدفاع الشرعي أو بقرار جماعي، ما يجعل أي تحرك خارج هذا الإطار عرضة للتشكيك القانوني.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المنطقة تقف أمام مسارين متوازيين: الأول يدفع باتجاه توسيع نطاق الصراع وتدويله، والثاني يسعى إلى احتوائه ضمن حدود يمكن التحكم بها. وبين هذين المسارين، تبرز أهمية الأدوار التي تلعبها الدول الإقليمية، والتي تميل في مجملها إلى تغليب منطق التهدئة على التصعيد.
إن المؤشرات الراهنة توحي بأن خيار الاحتواء لا يزال قائماً، بل ويحظى بدعم متزايد من قوى إقليمية فاعلة، تدرك أن كلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة على الجميع دون استثناء. ومن هنا، فإن الحفاظ على قنوات الحوار، وتعزيز العمل الدبلوماسي المشترك، يظلان الخيار الأكثر واقعية في إدارة هذه المرحلة الدقيقة.
وفي المحصلة، فإن مستقبل المنطقة سيتحدد بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على موازنة المصالح، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار، ويحدّ من تداعيات الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة.



