بين واشنطن وطهران: تغييب القضية الفلسطينية عن طاولة التفاوض وتحديات استعادة الأولوية الوطنية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مارس 26, 2026 - 09:10
بين واشنطن وطهران: تغييب القضية الفلسطينية عن طاولة التفاوض وتحديات استعادة الأولوية الوطنية

بين واشنطن وطهران: تغييب القضية الفلسطينية عن طاولة التفاوض وتحديات استعادة الأولوية الوطنية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل الحراك السياسي المتسارع في الإقليم، وعودة قنوات الاتصال—المباشرة وغير المباشرة—بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يبرز تساؤل مشروع حول موقع القضية الفلسطينية ضمن هذه المعادلات: هل ما زالت حاضرة كقضية مركزية، أم جرى إزاحتها إلى هامش التفاوض لصالح أولويات أخرى تتعلق بالأمن الإقليمي والملف النووي وترتيبات النفوذ؟
تشير المعطيات إلى أن المحادثات الجارية تتركز أساسًا على قضايا محددة، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وأمن الممرات الحيوية، وتوازنات القوة في المنطقة. وفي هذا السياق، تغيب القضية الفلسطينية—بأبعادها السياسية والقانونية—عن صدارة جدول الأعمال، لتُستحضر أحيانًا كعامل تأثير غير مباشر، لا كملف قائم بذاته يستوجب معالجة جذرية.
هذا التغييب لا يعكس تراجعًا في أهمية القضية بقدر ما يعكس اختلالًا في موازين القوى الدولية، حيث تتقدم الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعوب. فحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، الذي أكدته مرارًا قرارات الأمم المتحدة، ما زال يفتقر إلى آليات تنفيذ ملزمة، في ظل غياب إرادة دولية قادرة على فرض الالتزام بالقانون الدولي.
في المقابل، تستمر الوقائع الميدانية في فرض نفسها، بما يعمّق الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي. ففي القدس، تتصاعد الإجراءات التي تمس بالوضع التاريخي والقانوني، بما في ذلك القيود المتكررة على الوصول إلى المسجد الأقصى، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل المدينة وهويتها. هذه التطورات تأتي في سياق أوسع يسعى إلى تكريس واقع جديد على الأرض، بعيدًا عن أي تسوية سياسية متفق عليها.
أما في الضفة الغربية، فإن التوسع الاستيطاني يتخذ منحى متسارعًا، مترافقًا مع حديث متزايد عن خطوات ضم، سواء كانت تدريجية أو بحكم الأمر الواقع، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. ويجري ذلك في ظل محدودية ردود الفعل الدولية، التي غالبًا ما تقتصر على بيانات سياسية لا ترقى إلى مستوى التأثير الفعلي.
وفي قطاع غزة، لا يزال الواقع الإنساني يعكس حجم التحديات المركبة، حيث يتواصل الحصار، وتتفاقم تداعيات الدمار الذي خلفته جولات التصعيد المتكررة. وقد أدى ذلك إلى تكريس نمط من التعاطي الدولي مع القطاع بوصفه أزمة إنسانية تتطلب الإغاثة، بدلًا من كونه جزءًا من قضية سياسية شاملة تستوجب حلًا مستدامًا.
ضمن هذا المشهد، يتحمل الشعب الفلسطيني العبء الأكبر، إذ يواصل دفع كلفة الصراع في مختلف أماكن وجوده، في وقت تتقاطع فيه الأجندات الإقليمية تحت عناوين متعددة، من بينها ما يُعرف بمحور المقاومة. وبينما تُطرح هذه العناوين في إطار دعم القضية الفلسطينية، فإن التحدي يكمن في مدى انعكاسها الفعلي على تعزيز الحقوق الوطنية الفلسطينية، بعيدًا عن توظيفها في سياقات إقليمية أوسع.
إن القراءة الاستراتيجية لهذا الواقع تفرض ضرورة التمييز بين حضور القضية الفلسطينية كرمز سياسي، وبين موقعها الفعلي في مراكز صنع القرار الدولي. فالتحدي لا يتمثل فقط في مواجهة سياسات الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل، بل أيضًا في كيفية إعادة إدراج القضية الفلسطينية كأولوية سياسية وقانونية على الأجندة الدولية.
وعليه، فإن استعادة الزخم للقضية الفلسطينية تتطلب مقاربة وطنية شاملة، تقوم على:
توحيد الموقف السياسي الفلسطيني وتعزيز شرعيته التمثيلية.
تفعيل الأدوات القانونية الدولية لمساءلة الانتهاكات.
إعادة بناء التحالفات الإقليمية والدولية على أساس دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
الانتقال من إدارة الأزمة إلى صياغة استراتيجية وطنية قادرة على فرض القضية كأولوية لا يمكن تجاوزها.
في الخلاصة، إن تغييب القضية الفلسطينية عن مسار المحادثات بين واشنطن وطهران لا يعني انتهاء مركزيتها، بل يعكس تحديًا حقيقيًا يتطلب إعادة صياغة أدوات الحضور السياسي الفلسطيني. فالقضية، بما تمثله من حق تاريخي وقانوني، ستبقى عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة، ولن يكون بالإمكان تحقيق تسويات مستدامة دون معالجتها ضمن إطار عادل وشامل يضمن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.