حروب نتنياهو وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين الحسابات الشخصية والمشروع الصهيوني التوسعي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
حروب نتنياهو وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين الحسابات الشخصية والمشروع الصهيوني التوسعي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم تكن الحروب التي تخوضها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر مجرد رد فعل عسكري على حدث أمني غير مسبوق في تاريخها الحديث، بل تبدو في جوهرها تعبيرًا عن تحولات أعمق في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية وأهدافها بعيدة المدى في المنطقة. فالحروب المتلاحقة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، والتصعيد على الجبهة اللبنانية والسورية، وصولًا إلى توسيع دائرة المواجهة مع إيران، تكشف عن محاولة لإعادة صياغة موازين القوى الإقليمية بما يخدم رؤية إسرائيل لدورها القيادي أو المهيمن في الشرق الأوسط.
يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى، عبر هذه الحروب، إلى محو آثار السابع من أكتوبر من ذاكرة المجتمع الإسرائيلي، باعتبارها – وفق توصيفات داخل إسرائيل – إحدى أخطر الصدمات الأمنية التي تعرضت لها الدولة منذ قيامها. وبحسب هذا التحليل، فإن نتنياهو يدرك أن فشله في استعادة صورة الردع التي تضررت بعد ذلك الحدث سيبقى وصمة سياسية وأمنية في سجله الشخصي، ولذلك يسعى إلى تحقيق ما يمكن اعتباره "نصرًا استراتيجيًا" يعيد ترميم تلك الصورة.
ورغم ما يحمله هذا التفسير من وجاهة، فإنه يظل قاصرًا عن الإحاطة بكامل أبعاد السياسة الإسرائيلية الراهنة. فالمسألة لا تتعلق فقط بحسابات شخصية أو انتخابية لنتنياهو، بل ترتبط أيضًا بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته، وبالتحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية.
فنتنياهو ليس مجرد سياسي يسعى إلى البقاء في السلطة، بل هو أيضًا ممثل لتيار أيديولوجي داخل الحركة الصهيونية يرى أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة الواقع الإقليمي بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التقليدية للأمن والهيمنة. هذا التيار يعتبر أن إسرائيل لم تستكمل بعد مشروعها الاستراتيجي في المنطقة، وأن المتغيرات الدولية والإقليمية الحالية قد تتيح لها تحقيق أهداف كانت مؤجلة أو مؤجلة التنفيذ.
من هذا المنظور، يمكن قراءة التحول الذي طرأ على السياسة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر باعتباره محاولة لإعادة تثبيت معادلة فرض الوقائع بالقوة العسكرية، وهي المعادلة التي اعتقدت إسرائيل أنها رسختها بعد الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى، ولا سيما بعد حرب عام 1967 وما تبعها من تحولات سياسية أدت إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكذلك بعد حرب لبنان عام 1982 وما تلاها من مسار سياسي انتهى باتفاقيات أوسلو.
لقد اعتمدت إسرائيل، عبر عقود، على الجمع بين القوة العسكرية والقوة السياسية في إدارة الصراع في المنطقة. فبعد أن فرضت معادلات جديدة بالقوة العسكرية، سعت إلى تثبيت تلك المعادلات عبر تسويات سياسية واتفاقيات سلام، ثم انتقلت في مرحلة لاحقة إلى توسيع حضورها الإقليمي من خلال ما عرف بمسار التطبيع واتفاقيات "إبراهيم"، التي هدفت إلى إدماج إسرائيل في المنطقة باعتبارها شريكًا إقليميًا فاعلًا، متجاوزةً إلى حد بعيد مركزية القضية الفلسطينية في النظام الإقليمي.
غير أن الأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، وما رافقها من صعود قوى إقليمية غير تقليدية وتنامي دور الفاعلين غير الدوليين، أعادت طرح تحديات جديدة أمام الاستراتيجية الإسرائيلية. فإسرائيل التي كانت تراهن على استقرار إقليمي قائم على تفوقها العسكري والتكنولوجي وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان الاستقرار أو فرض المعادلات السياسية.
في هذا السياق، يمكن فهم حديث نتنياهو المتكرر عن "تغيير وجه الشرق الأوسط". فهذه العبارة لا تعكس مجرد خطاب سياسي أو إعلامي، بل تشير إلى تصور استراتيجي يسعى إلى إعادة ترتيب بنية النظام الإقليمي بما يضمن تفوق إسرائيل ويعزز موقعها في معادلات القوة الإقليمية.
وإذا كانت هذه الرؤية تبدو للوهلة الأولى مختلفة عن الطروحات التي قدمها قادة إسرائيليون سابقون، مثل شمعون بيرس في حديثه عن "الشرق الأوسط الجديد"، فإن التدقيق في جوهر المشروعين يكشف عن تقاطع عميق بينهما. فكلا التصورين ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة يمر عبر قبول التفوق الإسرائيلي والتكيف مع موازين القوة التي فرضتها إسرائيل عبر العقود.
غير أن التطورات المتلاحقة في المنطقة تشير إلى أن هذه الفرضية تواجه تحديات جدية. فالحروب التي تشهدها المنطقة، بما تحمله من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية، تعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، وحول إمكانية بناء نظام إقليمي مستقر في ظل استمرار الاحتلال وغياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
كما أن اتساع دائرة الصراع لتشمل قوى إقليمية أخرى يعكس طبيعة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، حيث لم يعد الصراع محصورًا في إطاره التقليدي، بل أصبح جزءًا من معادلات إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا.
وفي ضوء ذلك، فإن الحروب الدائرة اليوم لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها صراعات عسكرية آنية، بل ينبغي فهمها في سياق صراع أوسع على مستقبل المنطقة وطبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل في السنوات المقبلة.
فالحروب، كما أثبت التاريخ، قد تعيد رسم الخرائط السياسية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن التناقضات العميقة في المشاريع السياسية المتنافسة. وفي الحالة الراهنة، فإن استمرار الصراع دون معالجة جذوره الأساسية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، سيبقي المنطقة في دائرة التوتر وعدم الاستقرار.
وعليه، فإن أي مقاربة واقعية لمستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يقوم على أساس العدالة السياسية واحترام القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن دون ذلك، ستظل الحروب التي تشهدها المنطقة وقودًا لصراع طويل، يكشف في كل مرة عن طبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة في سعيها نحو الأمن والاستقرار والسلام العادل.



