الضحك كأداة سياسية: المحتوى الساخر بين المقاومة وتطبيع السلطة
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاءات سياسية بديلة، يُعاد فيها إنتاج الخطاب العام خارج القنوات الرسمية الخاضعة للرقابة. في هذا السياق، برز المحتوى الرقمي الساخر—من صور كاريكاتيرية ومقاطع قصيرة ومشاهد متكررة—بوصفه لغة سياسية جديدة، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش تحت أنظمة سلطوية أو أوضاع قسرية ممتدة.
هذا التحول يعكس حاجة اجتماعية ملحّة لإيجاد أدوات تعبير أقل كلفة وأكثر قدرة على الالتفاف على القمع، تسمح للأفراد بإعادة صياغة علاقتهم بالسلطة وبالواقع السياسي اليومي.
الضحك كمقاومة رمزية
في البيئات التي تُغلق فيها الفضاءات العامة ويُقيّد فيها التعبير السياسي، يصبح الضحك وسيلة غير مباشرة لقول ما لا يمكن قوله صراحة. السخرية السياسية هنا لا تقوم مقام الاحتجاج التقليدي، لكنها تعمل كفعل رمزي يساهم في تفكيك هيبة السلطة، ونزع طابعها المقدّس، وتحويلها إلى موضوع قابل للنقد والتداول.
الضحك يمنح الأفراد شعورًا نفسيًا مؤقتًا بالتفوق على واقع قهري، ويكسر حاجز الخوف الذي تسعى الأنظمة إلى ترسيخه. وقد ظهر ذلك بوضوح في تجارب عربية عديدة، من أبرزها برامج السخرية السياسية التي انتشرت بعد عام 2011، حيث لعبت دورًا مهمًا في توسيع النقاش العام وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والخطاب الرسمي.
الوعي السياسي في العصر الرقمي
تعتمد الأجيال الشابة بشكل متزايد على الوسائط الرقمية غير التقليدية لفهم السياسة. الصور الساخرة والمقاطع القصيرة لا تنقل المعلومة فحسب، بل تعيد تأطيرها وربطها بالحياة اليومية، ما يجعل القضايا المعقدة أكثر قابلية للفهم والمشاركة.
هذا النوع من المحتوى يساهم في إنتاج معرفة شعبية بديلة، تُضعف احتكار الخطاب الرسمي للمعنى، وتفتح المجال لنقاشات عامة خارج الأطر النخبوية. ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الجمهور فقط، إذ اضطرت بعض الأنظمة نفسها إلى التفاعل مع هذا الأسلوب، أو محاولة توظيفه لإعادة إنتاج صورتها في الفضاء الرقمي.
السخرية في سياق الهيمنة والاحتلال
في سياقات الهيمنة العسكرية والاحتلال طويل الأمد، يكتسب المحتوى الساخر بعدًا خاصًا بوصفه شكلًا من أشكال التعبير الرمزي عن الرفض اليومي. ففي الحالة الفلسطينية، حيث تتقاطع السيطرة العسكرية مع القيود على الحركة والتعبير، يظهر هذا المحتوى كأداة ثقافية لإعادة تمثيل الواقع المفروض بلغة ساخرة تخفف من وطأته النفسية، دون الدخول في مواجهة مباشرة.
لا يعمل هذا الشكل من السخرية على مستوى الفعل السياسي المباشر، بل على مستوى الوعي والتمثّل. فهو يتيح مساحة للتعبير الجماعي عن التجربة اليومية، ويعزز الإحساس بأن المعاناة الفردية جزء من حالة اجتماعية مشتركة، ما يدعم الصمود النفسي والثقافي في ظل واقع غير متكافئ.
كما يساهم هذا المحتوى في تبسيط قضايا معقدة—مثل الحصار أو القيود الإدارية—وتقديمها لجمهور أوسع، خصوصًا الشباب الذين يتلقون معرفتهم السياسية عبر الوسائط الرقمية أكثر من الإعلام التقليدي. هذا التبسيط لا يهدف بالضرورة إلى التحريض، بل إلى كسر احتكار الرواية وفتح المجال للتأمل والنقاش.
مخاطر التبسيط وتحويل المأساة إلى ترفيه
رغم هذه الأدوار، لا يخلو المحتوى الساخر من مخاطر حقيقية. فالاستخدام المكثف للسخرية قد يحوّل القضايا السياسية والإنسانية إلى مادة استهلاكية متكررة، يصبح فيها الضحك وسيلة للتكيّف مع الواقع بدل مساءلته. عندها، تفقد المأساة ثقلها الأخلاقي، وتتحول إلى مشهد عابر في تدفق المحتوى اليومي.
كذلك، قد تنزلق السخرية أحيانًا إلى إعادة إنتاج الصور النمطية أو العنف الرمزي، حين تُستخدم السمات الجسدية أو الاجتماعية كوسيلة للإهانة السياسية، ما يقوّض الهدف النقدي للمحتوى بدل أن يعززه.
بين المقاومة والتطبيع
المحتوى الرقمي الساخر أداة سياسية مزدوجة التأثير. فمن جهة، يفتح مساحات للتعبير، ويكسر الخوف، ويساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي خارج القنوات الرسمية. ومن جهة أخرى، قد يتحول إلى آلية تكيّف تطبّع مع القمع، وتفرغ الفعل السياسي من مضمونه، حين يُستبدل الفعل بالمشاهدة، والغضب بالتفاعل السطحي.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الضحك بوصفه فعلًا بريئًا أو مدانًا في حد ذاته. قيمته السياسية تتحدد بسياقه، وبمدى ارتباطه بالوعي النقدي لا بالاستهلاك العابر. وبين كونه أداة لكشف السلطة أو وسيلة للتعايش معها، يبقى السؤال مفتوحًا حول حدود السخرية ودورها في تشكيل الوعي السياسي المعاصر.





