توقيف المرضى في القانون الجزائي الفلسطيني ثغرات تشريعية وضرورة التدخل لحماية الحق في الصحة

دراسة قانونية تحليلية مقارنة

فبراير 10, 2026 - 18:37
توقيف المرضى في القانون الجزائي الفلسطيني ثغرات تشريعية وضرورة التدخل لحماية الحق في الصحة

**توقيف المرضى في القانون الجزائي الفلسطيني
ثغرات تشريعية وضرورة التدخل لحماية الحق في الصحة**
دراسة قانونية تحليلية مقارنة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
بحث  في القانون الجنائي وحقوق الإنسان
ملخص الدراسة
تناقش هذه الدراسة الإطار القانوني لتوقيف الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو خطيرة، مثل مرضى السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، في ضوء قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001، والمرجعيات الدستورية والحقوقية الدولية.
وتخلص الدراسة إلى أن غياب نص تشريعي صريح ينظم مسألة توقيف المرضى يشكّل ثغرة قانونية حقيقية، أدّت إلى تفاوت في التطبيق العملي، وفتحت المجال أمام اجتهادات قد تمسّ الحق في الصحة والحياة. كما تطرح الدراسة مقترحات تشريعية لسد هذه الثغرات، استنادًا إلى القانون المقارن والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أولًا: مقدمة
يُعد التوقيف من أخطر الإجراءات الجزائية لما ينطوي عليه من مساس مباشر بالحرية الشخصية، ويزداد هذا الخطر عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعانون من أمراض مزمنة أو خطيرة، إذ قد يؤدي التوقيف في هذه الحالات إلى مضاعفات صحية جسيمة قد ترقى إلى تهديد الحق في الحياة.
ورغم الأهمية العملية والإنسانية لهذه المسألة، يلاحظ أن المشرّع الفلسطيني لم يخصّص لها تنظيمًا تشريعيًا واضحًا، الأمر الذي يثير إشكاليات قانونية وحقوقية تستوجب البحث والتحليل.
ثانيًا: الإطار القانوني للتوقيف في التشريع الفلسطيني
نظم قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001 أحكام التوقيف والحبس الاحتياطي بوصفه إجراءً استثنائيًا، لا يُلجأ إليه إلا عند توافر أسباب قانونية تبرره، وبمدد محددة، وتحت رقابة القضاء المختص.
ويستند هذا التنظيم إلى مبدأ قانوني مستقر مفاده أن:
الأصل في الإنسان الحرية والبراءة، والتوقيف استثناء يفسّر تفسيرًا ضيقًا.
غير أن القانون اقتصر على تنظيم الشروط الإجرائية للتوقيف، دون أن يتناول أثر الحالة الصحية للمتهم على مشروعية هذا الإجراء أو استمراره، وهو ما أوجد فراغًا تشريعيًا واضحًا.
ثالثًا: غياب التنظيم التشريعي للحالة الصحية وأثره العملي
1. الفراغ التشريعي
لا يتضمن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني نصًا:
يمنع توقيف المرضى المصابين بأمراض خطيرة،
أو يضع معايير لتقدير مدى ملاءمة التوقيف في ضوء الحالة الصحية للمتهم.
ويُعد هذا الغياب ثغرة تشريعية جوهرية، خاصة في ظل ازدياد عدد القضايا التي يكون أطرافها من كبار السن أو المرضى.
2. انعكاس الفراغ على التطبيق العملي
أدى هذا الفراغ إلى:
تفاوت القرارات القضائية في قضايا متشابهة،
إخضاع المسألة لاجتهادات شخصية بدل ضوابط قانونية،
تقليص الحماية العملية للحق في الصحة.
رابعًا: التوقيف في ضوء الحق في الصحة والمعايير الدولية
يُعد الحق في الصحة حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، لا يسقط بسبب الاتهام أو الاشتباه، وتلتزم الدولة بحمايته حتى في إطار الدعوى الجزائية.
وقد أكدت:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادتان 3 و25)،
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادتان 9 و10)،
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 12)،
قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء – قواعد نيلسون مانديلا،
على أن الحرمان من الحرية لا يبرر المساس بالكرامة الإنسانية أو تعريض المحتجز لخطر صحي جسيم.
وبناءً عليه، فإن توقيف شخص مريض دون مراعاة حالته الصحية أو دون توفير الرعاية اللازمة قد يرقى إلى توقيف تعسفي أو معاملة غير إنسانية.
خامسًا: السلطة التقديرية بين غياب النص وضبط المشروعية
لا خلاف على أن النيابة العامة والقضاء يتمتعان بسلطة تقديرية في مسائل التوقيف، إلا أن هذه السلطة:
ليست مطلقة،
ومقيدة بمبدأ المشروعية،
وخاضعة لمبدأ التناسب والضرورة.
إن تجاهل الحالة الصحية للمتهم عند اتخاذ قرار التوقيف أو تمديده، في ظل غياب نص تشريعي منظم، قد يشكّل انحرافًا في استعمال السلطة ويتعارض مع فلسفة العدالة الجنائية.
سادسًا: المقارنة التشريعية
تبيّن المقارنة مع التشريعات المقارنة أن:
القانون الفرنسي يجيز الإفراج الصحي إذا ثبت أن استمرار الحبس يشكل خطرًا على حياة المتهم.
القانون المصري يسمح بالإفراج لأسباب صحية عندما يعجز مكان الاحتجاز عن توفير العلاج اللازم.
القانون الأردني يمنح القضاء سلطة الإفراج أو استبدال التوقيف بتدابير بديلة في حالات المرض الخطير.
وهو ما يعكس اتجاهًا تشريعيًا حديثًا يوازن بين مقتضيات الدعوى الجزائية وحماية الحق في الصحة.
سابعًا: ضرورة سدّ الثغرات التشريعية
1. إدراج نص صريح
توصي الدراسة بضرورة إدراج نص في قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني ينص على:
مراعاة الحالة الصحية للمتهم عند اتخاذ قرار التوقيف،
عدم جواز التوقيف إذا ثبت طبيًا أن ذلك يشكل خطرًا جسيمًا على حياته أو صحته.
2. تنظيم الإفراج الصحي
النص صراحة على:
الإفراج الصحي المؤقت أو الدائم،
بناءً على تقارير طبية رسمية،
مع إمكانية فرض تدابير احترازية بديلة.
3. توسيع بدائل التوقيف
تعزيز استخدام التدابير غير السالبة للحرية، خاصة في القضايا غير الخطيرة، تحقيقًا لمبدأ التناسب.
ثامنًا: خاتمة
إن غياب التنظيم التشريعي لمسألة توقيف المرضى في القانون الجزائي الفلسطيني يمثل ثغرة قانونية تمس جوهر العدالة الجنائية وحقوق الإنسان.
ولا يمكن الحديث عن عدالة ناجزة في ظل إجراءات قد تؤدي إلى المساس بالحق في الصحة والحياة.
وعليه، فإن سدّ هذه الثغرة لم يعد خيارًا تشريعيًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية، تفرضها التزامات الدولة الدستورية والدولية، وتنسجم مع فلسفة العدالة الجنائية الحديثة.
الكلمات المفتاحية
التوقيف – الحبس الاحتياطي – الحق في الصحة – القانون الجزائي الفلسطيني – الثغرات التشريعية – حقوق الإنسان