حل الدولتين يُترك ليموت بصمت: غزة بين الإدارة الاقتصادية والسيادة المفقودة
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
حل الدولتين لا يُلغى، بل يُترك ليموت من دون إعلان جنازة. هذه ليست عبارة بلاغية، بل توصيف دقيق للطريقة التي تُدار بها القضية الفلسطينية اليوم، وخصوصاً في ظل ما يُسمّى «مجلس ترمب للسلام» الذي يُقدَّم بوصفه إطاراً دولياً جديداً، فيما هو عملياً تعبير مكثّف عن انتقال الصراع من ساحة السياسة إلى ساحة الإدارة، ومن منطق الحلول إلى منطق التدبير.
ولا تقتصر مقاربة ما يُسمّى مجلس السلام على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل تستند في عمقها إلى تصورات اقتصادية متداولة داخل دوائر القرار الأميركي ترى في غزة مساحة قابلة لإعادة التشكيل من الصفر، لا مجتمعاً سياسياً يملك حق تقرير مصيره. في هذه التصورات، تُختزل القضية الفلسطينية إلى مسألة إعادة إعمار طويلة الأمد تُدار بعقود استثمارية تمتد لعقود، تُعلَّق خلالها السيادة باسم الاستقرار، ويُؤجَّل الحق السياسي إلى أجل غير محدد تحت ذريعة “إعادة تأهيل المجتمع” و“نزع التطرف”. لا يعود الصراع هنا صراع أرض وحقوق، بل مشكلة إدارة سكان يمكن نقلهم موقتاً، وإعادة توزيعهم، وإخضاعهم لنماذج تعليمية وقانونية مفروضة من الخارج، فيما تُقدَّم الوصاية بوصفها ضرورة انتقالية، ويُعاد تعريف الاحتلال بصفته استثماراً، والسيطرة بصفة شراكة.
في هذا المجلس، لا تظهر غزة كجزء من جغرافيا وطنية فلسطينية مرتبطة بالضفة الغربية في مسار إقامة دولة مستقلة، بل كمساحة منفصلة تُدار بمعزل عن أي أفق سياسي شامل. غزة هنا ليست سؤال سيادة ولا حق تقرير مصير، بل ملف إعادة إعمار، وأمن، واستقرار، واستثمار. بهذا المعنى، لا يأتي مجلس ترمب ليحلّ محل حل الدولتين، بل ليجعله غير ذي صلة من دون أن يعلن وفاته رسمياً. يُترك الحل القديم على الرف، بينما تُبنى مقاربة جديدة تتجاوز فكرة الدولة من أساسها.
الأمر الأكثر وضوحًا أن هذه المقاربة تعكس عقلية الرئيس ترمب: هو لا يرى السلطة الفلسطينية كجهة رسمية صاحبة قرار، ولا يعتقد أن الفلسطينيين قادرون على التنازل عن حقوقهم. في نظر ترمب، المطالب الفلسطينية القائمة على تطبيق الشرعية الدولية – كحق تقرير المصير، وحق العودة، ووقف الاستيطان – تعتبر مطالب كثيرة للغاية، وأن الفلسطينيين لن يتحملوا عبء أي تنازلات. لذلك أصبح الحل المباشر غير مرغوب فيه. النتيجة: فرض حلول جاهزة وإدارة الواقع على الأرض دون الرجوع إلى الفلسطينيين، وهو نهج جديد كليًا في تاريخ الصراع، يضع الفلسطينيين خارج المعادلة ويحوّل السلطة إلى مراقب صامت أكثر من كونها طرفًا مؤثرًا.
ما يجري في غزة اليوم ليس استثناءً، بل نموذج لإدارة أرض مدمّرة من خارج القانون الدولي، ومن دون مرجعية أممية ملزمة، وبإرادة سياسية واحدة تملك حق التفسير والتعديل والفيتو. حين يصبح رئيس الولايات المتحدة هو المرجع النهائي لميثاق «السلام»، تنتفي فكرة الشرعية الدولية، ويُستبدل بها منطق القوة والصفقة. هنا تحديدًا يُصاب حل الدولتين في مقتل، لأن هذا الحل، مهما كان هشّاً، كان يفترض وجود نظام دولي يعترف بالاحتلال، وبحقوق الشعب الواقع تحته، وبمسار تفاوضي واضح يقود إلى إنهائه.
مجلس ترمب لا يعترف أصلاً بهذه الفرضيات. هو يتعامل مع الصراع كما لو أنه أزمة حكم محلي في منطقة مضطربة، لا كقضية تحرر وطني. لذلك تُطرح أسئلة من نوع: من يدير غزة؟ من يشرف على الأمن؟ من يموّل الإعمار؟ بينما يُستبعد السؤال الجوهري: ما هو الوضع القانوني والسياسي لغزة ضمن فلسطين المحتلة؟ هذا الإزاحة المتعمدة للسياسة هي الشكل الأحدث لدفن حل الدولتين، لا عبر رفضه، بل عبر تجاهله.
الأخطر أن هذا المسار يتقاطع مع مصلحة إسرائيل كما لم يحدث من قبل. فإسرائيل التي ترفض حل الدولتين علناً، لا تحتاج اليوم إلى إعلان هذا الرفض، طالما أن الواقع يُعاد تشكيله بما يجعل الحل مستحيلاً من دون ضجيج. فصل غزة عن الضفة، تحويل الأولى إلى كيان مُدار دولياً، وتسريع ابتلاع الثانية بالاستيطان، كلها خطوات تُنتج واقعاً جديداً لا يحتاج إلى مفاوضات، بل إلى إدارة طويلة الأمد. وفي هذا الواقع، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية أقرب إلى تمرين لغوي منه إلى مشروع سياسي.
إضافة إلى ذلك، هناك عامل فلسطيني بالغ الأهمية: السلطة الفلسطينية لم تدرك بعد حجم الخطر، واكتفت في الغالب بالصدور الصامتة أو بالمباركة غير المباشرة لإبعادها من المعادلة. هذا الصمت أو الغياب العملي يسمح للولايات المتحدة وإسرائيل بإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني تدريجيًا دون مواجهة قوية من أي طرف فلسطيني. ويرى البعض أن السلطة تعتقد أنها لا تملك الآن القدرة على التأثير بسبب تركيزها على إنهاء الحرب والمعاناة الإنسانية في غزة، مما يجعل موقفها أقل فاعلية ويزيد من هشاشة حضورها السياسي.
في ظل هذا المشهد، يُترك حل الدولتين في حالة موت سريري. لا أحد يعلنه منتهياً، لأن الإعلان يفرض مواجهة السؤال التالي: ما البديل؟ ولا أحد مستعد لتحمل كلفة هذا السؤال. الدولة الواحدة بحقوق متساوية مرفوضة إسرائيلياً لأنها تنهي الطابع اليهودي للدولة. استمرار الاحتلال بصيغته التقليدية مكلف أخلاقياً وسياسياً. لذلك يكون الخيار الأسهل هو إدارة الفلسطينيين بلا سيادة، ومنحهم حكماً ذاتياً موسعاً هنا، وإدارة دولية هناك، ومشاريع اقتصادية تخفف الاحتقان من دون أن تمس جوهر الصراع.
غزة، في هذا السياق، تتحول إلى مختبر لإدارة ما بعد السيادة. إذا نجحت صيغة الإدارة الدولية من دون سيادة، وإذا أمكن فصل الإعمار عن السياسة، واحتواء المقاومة من دون حل جذري، فإن النموذج يصبح قابلاً للتعميم. حينها لا يعود حل الدولتين حتى مشكلة، بل يصبح مجرد ذكرى من مرحلة سابقة كان فيها العالم يتحدث عن القانون الدولي بجدية أكبر.
المأزق الحقيقي أن غياب البدائل لا يعني صحة المسار القائم. ترك الحل يموت ببطء لا يلغي الصراع، بل يغيّر شكله ويطيل أمده. وما يُقدَّم اليوم كسلام واقعي قد يتحول غداً إلى إدارة دائمة لأزمة مفتوحة، بلا أفق وبلا نهاية. في هذه اللحظة، لا يبدو السؤال ما إذا كان حل الدولتين قد انتهى، بل ما إذا كان النظام الدولي نفسه قادراً على إنتاج أي حل يتجاوز منطق القوة العارية.
في ظل مجلس ترمب، وغزة المُدارة لا المُحرَّرة، يبدو أن العالم اختار الطريق الأسهل: دفن الحلول الكبرى بصمت، وتأجيل مواجهة الحقيقة إلى أجل غير مسمّى.





