الضحية خارج القاعة.. والجلاد على المنصة

محمد علوش

يناير 29, 2026 - 08:16
الضحية خارج القاعة.. والجلاد على المنصة

محمد علوش

تشكّل دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للانضمام إلى ما يسمى «مجلس السلام» صدمة سياسية وأخلاقية، تتجاوز حدود الاستفزاز إلى مستوى الاستخفاف الصريح بالقانون الدولي وبمفهوم العدالة ذاته، فهذه الدعوة لا يمكن قراءتها كخطوة عابرة أو زلة دبلوماسية، بل تعكس مساراً متكاملاً لإعادة تعريف السياسة الدولية على أساس القوة المجردة، وتكريس منطق الإفلات من العقاب، حتى عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة بحق شعب أعزل.
المكان الطبيعي لنتنياهو ليس منصة للسلام ولا قاعة للمؤتمرات، بل قفص الاتهام أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، فخلال حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة، ارتكبت قوات الاحتلال مئات الجرائم التي أسفرت عن عشرات آلاف الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى التدمير الواسع للبنية التحتية وتشريد السكان وتجويعهم، وهذه الوقائع لم تعد موضع نقاش سياسي، بل باتت حقائق موثقة في تقارير دولية وشهادات ميدانية، ما يجعل محاولة تلميع مرتكبيها فعلاً فاضحاً لا يمكن تبريره.
الأخطر في هذه الدعوة ليس مضمونها فقط، بل دلالتها العميقة: تحويل الجلاد إلى شريك في صناعة السلام، وإعادة صياغة مفهوم «البطولة» ليقاس بعدد الضحايا وحجم الدمار، وهذا الانقلاب القيمي يعكس رؤية سياسية تعتبر العنف أداة شرعية لتحقيق المصالح، وتتعامل مع القانون الدولي بوصفه عبئاً يمكن تجاوزه حين يتعارض مع حسابات القوة، وفي هذا السياق، تصبح العدالة انتقائية، وتتحول حقوق الإنسان إلى شعارات فارغة تستدعى أو تهمّش وفق الحاجة.
إن نتنياهو وعدداً من أركان حكومته مطلوبون للمساءلة الدولية، والدول التي توفر لهم الغطاء السياسي والقانوني تتحمل مسؤولية مباشرة عن تقويض منظومة العدالة العالمية، فالولايات المتحدة، من خلال هذا النهج، لا تحمي شخصاً بعينه، بل تكرّس سابقة خطيرة مفادها أن الجرائم الكبرى يمكن شطبها بقرار سياسي، وأن ميزان القوى أهم من ميزان العدالة، وبهذا، لا يظلم الفلسطينيون وحدهم، بل يصاب النظام الدولي نفسه في جوهره.
السلام، في معناه الحقيقي، لا يمكن أن يبنى على أنقاض المدن المدمرة ولا على جثث الأبرياء، والسلام لا يفرض من فوق، ولا يدار كصفقة تجارية أو مشروع خاص، بل يقوم على محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا واحترام حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، وأي مسار يتجاهل هذه الأسس يتحول إلى غطاء لإدامة الاحتلال وإعادة إنتاج العنف، مهما رفعت فيه من شعارات براقة.
في هذا الإطار، جاءت مبادرة «مجلس السلام» المرتبطة بخطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، والتي حظيت بموافقة مجلس الأمن في أواخر عام 2025، كمثال صارخ على هذا الخلل البنيوي، فالمجلس، الذي أُنشئ بذريعة معالجة مأساة غزة، حددت مهمته بالقطاع فقط ولفترة زمنية محدودة، لكنه سرعان ما تحوّل في خطاب ترامب إلى مشروع بديل للنظام الدولي القائم، بل إلى محاولة لتهميش الأمم المتحدة نفسها، ولم يتردد ترامب في إعلان أن هذا المجلس قد يحل محل المنظمة الدولية التي وصفها بأنها «غير مفيدة»، في انسجام كامل مع سجله المعادي للمؤسسات متعددة الأطراف.
انسحاب الولايات المتحدة من منظمات دولية أساسية، وتعليق مشاركتها في هيئات حقوق الإنسان، ودعمها المستمر لإسرائيل في استهداف وكالة «الأونروا»، كلها خطوات تندرج ضمن رؤية تسعى إلى تفكيك النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، واستبداله بنظام تحكمه الثروة والقوة والولاء السياسي، وقد انعكس ذلك بوضوح في «ميثاق مجلس السلام» الذي يمنح رئيسه، أي ترامب، صلاحيات شبه مطلقة، ويجعل عضوية الدول مرتبطة بقدرتها المالية وخضوعها لهذا النموذج الفجّ من الهيمنة، والمفارقة المؤلمة أن الشعب الفلسطيني، الذي كانت مأساته ذريعة إنشاء هذا المجلس، جرى إقصاؤه عنه، في حين دعيت إسرائيل ورئيس حكومتها للمشاركة فيه بوصفهم «صناع سلام»، إنها مفارقة تختصر جوهر السياسة الدولية الراهنة: الضحية خارج القاعة، والجلاد على المنصة.
ما يجري اليوم، كما عبّر عنه بوضوح أحد قادة الدول الغربية في دافوس، هو تآكل النظام القائم على القواعد، وصعود واقع «وحشي» تفعل فيه الدول القوية ما تشاء، فيما تدفع الشعوب الضعيفة الثمن، وفي هذا العالم، يصبح السلام امتيازاً للأقوياء، وتتحول العدالة إلى رفاهية مؤجلة.
إن دعوة مجرم حرب إلى منصة السلام ليست مجرد إساءة للفلسطينيين، بل إهانة لمفهوم السلام نفسه، فالسلام موقف أخلاقي قبل أن يكون اتفاقاً سياسياً، ولا يمكن أن يتحقق دون عدالة حقيقية ومحاسبة واضحة، وكل مشروع يتجاوز هذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل، مهما طال عمره، لأن الشعوب لا تنسى، ولأن الظلم، مهما طال، لا يصنع سلاماً.