اختيار القوائم وفق الأنظمة المتقدمة للأحزاب السياسية: نحو إصلاح حزبي وانتخابي يطال المجالس البلدية والمحلية في فلسطين
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
اختيار القوائم وفق الأنظمة المتقدمة للأحزاب السياسية: نحو إصلاح حزبي وانتخابي يطال المجالس البلدية والمحلية في فلسطين
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
تشكل عملية اختيار القوائم الحزبية والائتلافية في الأنظمة الديمقراطية إحدى أهم حلقات بناء النظام السياسي، كونها تكشف درجة المؤسسية الداخلية للأحزاب، وقدرتها على دمج المجتمع، وتمثيل فئاته، وتحديد برامج الحكم المحلي والوطني. وفي زمن الأزمات السياسية، غالبًا ما يبدأ الإصلاح من الانتخابات البلدية والمحلية باعتبارها الأكثر قربًا من المواطنين وخدماتهم المباشرة.
أولًا: الآليات المتقدمة لاختيار القوائم الحزبية
في الديمقراطيات المتقدمة، تطورت آليات اختيار المرشحين من آليات تقليدية مركزية إلى آليات أكثر انفتاحًا، أبرزها:
الانتخابات التمهيدية الداخلية (Primaries)
حيث تتنافس الشخصيات داخل الحزب أمام قواعده أو أمام جمهور أوسع لتحديد ترتيب القائمة.
لجان الترشيح المهنية (Nominations Committees)
وهي لجان مستقلة داخل الأحزاب توكل إليها مهمة فحص الكفاءة والخبرة وتمثيل الفئات.
النماذج التشاركية (Caucuses & Conventions)
التي تجمع بين القواعد والتنظيم والخبراء وصوت القيادة.
الكوتا التمثيلية
في النوع الاجتماعي والشباب والمهنيين والأقليات.
ثانيًا: النماذج الأوروبية المقارنة
لتعزيز موضوعية المقاربة، تبدو بعض التجارب الأوروبية مفيدة، ومنها:
ألمانيا (نموذج القائمة البرلمانية الحزبية)
يتميز النموذج الألماني بـ:
قوائم حزبية مغلقة
تنافس حزبي صريح ومؤسسي
ترتيب قائم على معايير مهنية وكفاءة
تمثيل قوي للشباب والنساء
إضافة إلى ما يسمى بـ "القائمة الإقليمية" المرتبطة بوزن الولايات، ما يعمّق ارتباط الحزب بالمجتمع المحلي.
السويد (الانفتاح على الناخب في ترتيب القائمة)
يمنح الناخب حق التأثير الفعلي في ترتيب القائمة من خلال ما يعرف بـ personval، وهو تصويت تفضيلي داخل القائمة ذاته، ما يحد من نفوذ القيادة ويعزز المنافسة داخل الحزب.
بريطانيا (النظام المختلط لحزب المحافظين والعمال)
يعتمد اختيار المرشحين على:
فحص مهني أولي
مقابلات
تصويت قواعد الحزب المحلي
وتصديق القيادة المركزية
في البلديات، يتم التركيز على المهنية والقدرة الإدارية أكثر من الصراع الأيديولوجي.
كندا (Primaries + Community Screening)
يقترب النظام من النموذج الأمريكي، حيث تتدخل المجتمعات المحلية في اختيار المرشحين، مع منح وزن كبير للعامل الحضري – الريفي واختلاف أولويات البلديات.
ثالثًا: السياق الفلسطيني وخصوصية البلديات
في فلسطين، وبفعل غياب الانتخابات المحلية والبلدية لفترات متقطعة، ونتيجة الانقسام السياسي، تراجعت:
وظيفة الحزب في اختيار المرشحين
و مأسسة العمل البلدي
وهذا أدى إلى:
صعود القوائم العائلية والفئوية
ضعف البرامج التنموية
غياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة
تضاؤل دور الفئات الشابة والنسائية
رابعًا: الربط التاريخي والتجربة الفلسطينية في البلديات
من المهم التذكير بتجربة انتخابات 1976 التي شكلت آنذاك منعطفًا استراتيجيًا حين خاضت الجبهة الوطنية المعركة تحت شعار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، في مواجهة مشروع "اللامركزية" الذي أراده الاحتلال بديلًا عن الشرعية الوطنية. وقد شكلت تلك الانتخابات نموذجًا في:
التسييس الوطني للبلديات
وتأكيد وحدانية التمثيل الفلسطيني
وارتباط المستويين الوطني والمحلي
خامسًا: نحو إصلاح حزبي وانتخابي فلسطيني
إن استعادة وظيفة المجالس البلدية اليوم تتطلب إصلاحًا مزدوجًا:
إصلاح حزبي داخلي
بمعايير الكفاءة والمهنية والرقابة.
إصلاح انتخابي للبلديات
يفتح المجال أمام:
القوائم البرامجية
المشاركة الحزبية
التمثيل الشبابي والنسائي
المساءلة وتدوير النخب
سادسًا: التوصيات العملية للإصلاح البلدي
وضع مدونات سلوك حزبية لاختيار المرشحين.
اعتماد الكوتا المهنية للمهندسين والتنمية والإدارة.
تبني نموذج vote-preference على غرار السويد لتعزيز المحاسبة.
تفعيل المجالس الاستشارية للبلديات من الخبراء والجامعات.
إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب – المجتمع المدني – البلديات.
تطوير نظام تقييم بلدي سنوي يعتمد مؤشرات الأداء والنزاهة والشفافية.
سابعًا: سيناريوهات مستقبلية للاستحقاق الانتخابي في فلسطين
سيناريو المشاركة الحزبية الواسعة: وهو الأكثر إصلاحًا ويعيد للمجالس وظيفتها التنموية.
سيناريو القوائم العائلية والفئوية: وهو الأسوأ تنمويًا ويعيد إنتاج المأزق.
سيناريو القوائم المختلطة (حزبي + مستقلين): وهو المرجح عمليًا في ضوء توازنات الواقع.
خاتمة
يشير تحليل التجارب الدولية والأوروبية تحديدًا إلى أن اختيار القوائم ليس مسألة تقنية بل جزء من هندسة النظام السياسي نفسه، وأن إصلاح البلديات في فلسطين لا ينفصل عن إصلاح الأحزاب والنظام الانتخابي، وعن استعادة الوظيفة الوطنية والمؤسساتية للتمثيل المحلي، في مرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة الاجتماعية والسياسية.



