إعادة التموضع أو العزلة: حماس في قلب التحولات الإقليمية
د براهيم نعيرات
د براهيم نعيرات
تقف حركة حماس اليوم عند مفترق نادر في تاريخها السياسي، بعد حرب تركت غزة منكوبة ووضعت الحركة أمام اختبار استراتيجي شامل. ليس الحديث هنا عن مجرد مراجعة تكتيكية، بل عن إعادة تموضع محتملة قد تعيد تعريف دورها داخل المشروع الوطني الفلسطيني وموقعها في الإقليم. بين خيار الانخراط في مسار عربي ودولي يفتح أفقًا للإعمار والاستقرار، أو البقاء في عزلة تفرضها عقيدتها وحسابات الماضي، تبدو غزة وكأنها مرآة للتحديات الإقليمية الأكبر، حيث تتقاطع المصالح العربية والدولية مع رهانات الحركة على مستقبلها السياسي.
في هذا السياق، يلعب مجلس السلام الأميركي، الذي أعلن عنه الرئيس السابق دونالد ترامب، دورًا محوريًا كعامل مؤثر في توجيه خيارات حماس واستراتيجيتها. لم يقتصر عمل المجلس على تقديم أطر سياسية واقتصادية لإدارة غزة، بل وضع آليات للرقابة على تطبيق أي اتفاقيات وإشراف مباشر على العمليات التنفيذية في القطاع. هذا الحضور المستمر يجعل أي تحرك حمساوي رهناً بالمعايير الدولية والعربية المشتركة، ويشكل عامل ضغط محفز للحركة لتبني سياسات أكثر انضباطًا واستجابة للمبادرات العربية والدولية، بدل الاستمرار في منطق المواجهة غير المنضبط.
الحرب الأخيرة، بما خلّفته من دمار غير مسبوق وكلفة إنسانية هائلة، لم تُحدث فقط صدمة في الواقع الغزي، بل كشفت أيضًا حدود النموذج الذي حكم إدارة الصراع طوال السنوات الماضية، وأظهرت بوضوح أن الاستمرار في المنطق ذاته لم يعد ممكنًا ولا قابلاً للاستدامة. من هنا، فإن الحديث المتزايد عن تحوّل حماس إلى فاعل سياسي يناسب المرحلة لا يمكن التعامل معه بوصفه مناورة خطابية، بل كمؤشر على إدراك عميق بأن المرحلة المقبلة تتطلب أدوات مختلفة وموقعًا مختلفًا.
هذا التحوّل يأتي في لحظة إقليمية ودولية معقدة، تتقاطع فيها إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، ولا سيما في غزة، مع مساعٍ عربية واضحة لإدارة الصراع مع إسرائيل ضمن سقوف أقل كلفة وأكثر قابلية للتحكم. الإعلان عن أطر لإدارة غزة، ومحاولات تشكيل لجان ذات طابع تكنوقراطي، لا يمكن فصلها عن رغبة عربية في إخراج القطاع من دائرة الاشتباك الدائم، وإعادة تقديم القضية الفلسطينية للعالم، وخصوصًا للولايات المتحدة، ضمن إطار سياسي عقلاني يركّز على الاستقرار وإعادة الإعمار ومنع الانفجار الشامل. في هذا السياق، تجد حماس نفسها أمام خيار الانخراط المشروط في هذا المسار، أو البقاء في موقع الرفض الذي قد يفضي إلى مزيد من العزلة والاستنزاف.
العودة إلى الحاضنة العربية والإقليمية تبدو هنا عنصرًا محوريًا في إعادة التموضع الحمساوي. هذه الحاضنة لا يمكن اختزالها في بعدها السني فقط، بل هي حاضنة عربية شاملة، سنية وشيعية عربية، بدأت تعيد النظر بعمق في مجمل الصراعات التي فُرضت على المنطقة خلال العقود الأخيرة. لقد أثبتت التجربة أن ربط القضية الفلسطينية بمحاور إقليمية عابرة للحدود، وفي مقدمتها المحور الإيراني، كان خيارًا مكلفًا، لم يخدم فلسطين بقدر ما حوّلها إلى ساحة ضمن صراع إقليمي على النفوذ والمكانة بين إيران وإسرائيل. هذا الصراع، في جوهره، لا يتصل بحقوق الفلسطينيين ولا بطموحاتهم الوطنية، بل بحسابات قوى إقليمية تستخدم الجغرافيا الفلسطينية كأداة ضغط متقدمة.
اللافت أن هذا الإدراك لم يعد حكرًا على النخب السياسية السنية العربية، بل بدأ يتجذر أيضًا داخل أوساط شيعية عربية باتت ترى بوضوح أن المشروع الإيراني، بصيغته الأيديولوجية الحالية، لا يخدم مصالحها الوطنية ولا يعزز استقرار دولها، بل يستنزفها ويضعها في مواجهة دائمة مع محيطها العربي. هذا التحول في وعي شيعة العرب يمثل تطورًا بالغ الأهمية، لأنه يعيد الاعتبار لفكرة العروبة السياسية الجامعة، ويضع حدًا لمحاولات اختزال الصراعات في ثنائيات مذهبية حادة. في هذا الإطار، تصبح فلسطين مجددًا قضية عربية جامعة، لا ورقة في صراع مذهبي أو مشروع توسعي.
تحالف حماس مع إيران، الذي فُرض في مرحلة معينة تحت ضغط الحصار والعزلة، يمكن وصفه اليوم بأنه خطأ استراتيجي كبير. هذا التحالف منح الحركة دعمًا عسكريًا محدود الأثر سياسيًا، لكنه كلّفها خسارة عمقها العربي، وأضعف قدرتها على المناورة، ووفّر لإسرائيل سردية جاهزة لتصوير الصراع بوصفه جزءًا من مواجهة إقليمية مع إيران، لا كقضية احتلال وحقوق وطنية. الأسوأ من ذلك أن غزة دُفعت، مرارًا، لتكون ساحة اختبار لرسائل إقليمية لا علاقة لها بحياة سكانها ولا بمستقبلهم.
في المقابل، تبدو الدول العربية والإقليمية السنية اليوم أكثر اهتمامًا بإعادة احتواء حماس بدل شيطنتها، وإعادة تقديمها للعالم ضمن إطار عربي منضبط، يفتح قنوات مع واشنطن ويخفف من منسوب العداء الدولي. هذا لا يعني تبييض صفحة الحركة أو القبول غير المشروط بها، بل إدراك أن إقصاءها الكامل لم يعد واقعيًا، وأن دمجها ضمن معادلة سياسية عربية قد يكون أقل كلفة من تركها رهينة لمحاور خارجية. هذا المسار ينسجم مع مقاربة عربية أوسع تقوم على إدارة الصراع مع إسرائيل بدل تفجيره، وتحقيق مكاسب تدريجية، مهما بدت محدودة، بدل الانزلاق إلى حروب مفتوحة لا أفق لها.
في خلفية كل ذلك، يبرز اتجاه متزايد في السياسة الأميركية يمكن قراءته بوصفه محاولة لإغلاق فصل الصراعات الأيديولوجية في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تبدو وكأنها تسعى إلى إخراج إيران من المجال العربي، لا عبر إسقاطها عسكريًا، بل عبر تفكيك نفوذها الإقليمي وتجريدها من وظيفتها الأيديولوجية العابرة للحدود. الهدف، كما يُفهم من هذا التوجه، هو دفع إيران للتحول إلى دولة أكثر انكفاءً على شؤونها الداخلية، أقل تصديرًا للأزمات، وأكثر اهتمامًا بحسن الجوار، بما في ذلك مع الدول العربية وحتى مع إسرائيل. هذا المسار، وإن بدا طموحًا أو غير مضمون النتائج، يعكس قناعة أميركية بأن استمرار الصراع الإيراني–الإسرائيلي بالوكالة يستنزف الإقليم ويقوّض أي استقرار ممكن.
رغم كل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز حول قدرة وحقيقة نية حماس على التغيير. فالحركة، وفق هويتها وعقيدتها المرتبطة بالإخوان المسلمين، تتمسك برؤية أيديولوجية جامدة، تجمع بين البعد الديني والسياسي، وتضع في صلب خطابها المقاومة كخيار وحيد للتحرر. هذا الالتزام العقائدي يجعل من الصعب التكهن بمدى استعدادها لتغيير استراتيجي حقيقي، أو ما إذا كان أي تحوّل قد يكون محدودًا ومؤقتًا، مرتبطًا بمتطلبات تكتيكية لا تتجاوز إدارة الأزمة الحالية.
ضمن هذا المشهد المعقّد، يصبح تحوّل حماس جزءًا من إعادة هندسة إقليمية أوسع، لا مجرد قرار فلسطيني معزول. فك ارتباطها بالمحور الإيراني، وعودتها إلى الفضاء العربي، ينسجم مع اتجاه إقليمي ودولي يسعى إلى تصفية ساحات الصراع بالوكالة، وإعادة تعريف النزاعات ضمن أطر سياسية يمكن التحكم بها. هذا التحول، إن أُحسن إدارته، قد يفتح أفقًا جديدًا لغزة، ويعيد طرح القضية الفلسطينية كقضية حقوق واحتلال، لا كملف أمني أو ورقة إقليمية.
في المحصلة، تقف حماس أمام لحظة اختبار تاريخية، إما أن تلتقط التحولات الجارية وتعيد تموضعها ضمن حاضنتها العربية الطبيعية، مستفيدة من تغير المزاج الإقليمي والدولي، أو أن تبقى أسيرة معادلات أثبتت فشلها وكلفتها الباهظة. نجاح هذا التحول لا يعتمد على حماس وحدها، بل على استعداد عربي حقيقي لتقديم بديل، وعلى قدرة الفلسطينيين على استعادة قرارهم الوطني المستقل. المؤكد أن المرحلة المقبلة لن تشبه ما سبقها، وأن البقاء في منطق الأمس قد يكون الخطر الأكبر على مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.





