الخليل … بين التهويد والفلتان

د. منى أبو حمدية - أكاديمية وباحثة

يناير 25, 2026 - 09:02
الخليل … بين التهويد والفلتان

لليوم الخامس على التوالي، تستيقظ الخليل الجنوبية على وقع حملة عسكرية لا تشبه “إجراءات أمنية” بقدر ما تشبه اختباراً قاسياً لإرادة المكان وسكانه. عشرات الآلاف من الفلسطينيين وجدوا أنفسهم محاصرين داخل جغرافيا مغلقة، تُدار بالقوة، وتُخنق فيها تفاصيل الحياة اليومية، في مشهد يعيد تعريف الفلتان لا بوصفه فوضى شعبية، بل كسياسة مُمنهجة تُدار من فوق.

يعلن الاحتلال أن هدفه “بسط الأمن” وتفكيك ما يسميه “خلايا إرهابية”، غير أن الوقائع على الأرض تفضح المعنى الحقيقي لهذه الحملة. فالأمن المزعوم يبدأ بإغلاق المنطقة الجنوبية للمدينة عبر بوابات حديدية، وبمصادرة حركة المواطنين ومركباتهم، وتحويل الحيز العام إلى فضاء مراقَب ومُعاقَب. هنا لا يُحاصَر الاشتباه، بل يُعاقَب المجتمع بأكمله.

تتقدم حملة الاعتقالات الواسعة والاقتحامات الليلية المشهدَ القمعي، حيث تُنتهك حرمة البيوت، ويُنكَّل بسكانها، وتُحوَّل المنازل إلى ثكنات عسكرية. إن البيت، بوصفه آخر ما تبقى للفلسطيني من أمان، يُنتزع من معناه، ليغدو امتدادا للسيطرة العسكرية لا أكثر.

ومع عرقلة الحركة وفرض منع التجوال، تتوقف الحياة عند حدود الإسفلت. المرضى يُمنعون من الوصول إلى علاجهم، وتتصاعد المناشدات للإغاثة الطبية والبلدية، فيما يُحرم الطلبة من مقاعدهم الدراسية بإغلاق ما يقارب عشرين مدرسة حكومية. هكذا تُستهدف أجيال الخليل: مريضها وطالبها، حاضرها ومستقبلها، في آنٍ واحد.

لم تسلم الدورة الاقتصادية من هذا الخنق؛ أُغلقت المحال التجارية، وشُلّت الحركة في الأسواق، وتزامن ذلك مع انقطاع التيار الكهربائي والخدمات الأساسية، وكأن المدينة تُدفع دفعاً نحو العتمة، لا كأثر جانبي، بل كخيار سياسي مقصود.

كل ذلك لا يمكن فصله عن السياق الأوسع: محاولة تهويد الخليل وفرض واقع جديد، ديموغرافياً وجغرافياً، في إطار الضم والتوسع الاستيطاني. الهدف أبعد من حملة مؤقتة؛ إنه تفريغٌ بطيء للمنطقة من سكانها الأصليين، وتوسيعٌ للمنطقة المغلقة داخل البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي، أي مناطق H2 الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية منذ اتفاقية 1997.

المفارقة الصارخة أن الاحتلال، الذي يسيطر على هذه المناطق منذ ما يقارب ثلاثة عقود، هو ذاته الذي غذّى الفلتان والفوضى فيها، وهو اليوم يعود ليرتدي قناع “مكافحة الإرهاب”. فكيف لمن صنع الفوضى أن يدّعي محاربتها؟ وكيف لمن صادر السيادة أن يزعم إعادة النظام؟

تتضح الصورة أكثر مع ما يتسرب عن نية الاحتلال ربط مستوطنة كريات أربع بمنطقة تل الرميدة الاستيطانية، في خطوة تُعيد رسم الخريطة بالقوة، وتُحوِّل الأحياء الفلسطينية إلى جزرٍ معزولة داخل بحر استيطاني متصل. ويتزامن ذلك مع سحب صلاحيات المسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل، وإبعاد الشيخ معتز أبو سنينة عن الحرم الإبراهيمي لمدة أسبوعين، في استهدافٍ مباشر للبعد الديني والرمزي للمكان، ومحاولة لتفريغه من روّاده وحُماة روحه.

ما يجري في الخليل ليس حدثاً عابراً ولا إجراءً أمنياً محدوداً؛ إنه مشروع متكامل، تُستخدم فيه أدوات الحصار والاعتقال والخدمات والاقتصاد والدين، لإعادة هندسة المدينة وسكانها. إنها معركة على الوجود، حيث يُراد للخليل أن تُختزل في خرائط أمنية، بينما تظل، رغم كل شيء، مدينةً عصية على المحو، تكتب يوميات صمودها بالحياة ذاتها.

في الخليل، يتقاطع التهويد مع الفلتان المصنوع، ويُختبر الإنسان في أبسط حقوقه. لكن الخليل، التي عبرت قروناً من القهر، تعرف جيداً أن المكان الذي يُحاصَر اليوم، هو ذاته الذي سيشهد غداً على بقاء أهله، مهما اشتدّ الحصار.