حين تتحوّل المفاهيم الوطنية

يناير 24, 2026 - 09:14
حين تتحوّل المفاهيم الوطنية

حين تتحوّل المفاهيم الوطنية
كتب الشهيد صلاح خلف – أبو إياد – في كتابه «فلسطيني بلا هوية» عبارة لافتة عبّرت عن قلق عميق تجاه المستقبل:
«أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر».
كان ذلك تحذيراً مبكراً من مخاطر التلاعب بالمفاهيم، ومن إمكانية أن تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مجرد خيارات سياسية أو اجتهادات خاصة. واليوم تبدو العبارة أكثر حضوراً في ظل التحولات التي تمر بها المنطقة والقضية الفلسطينية، حيث تتسع مساحات تأويل المصطلحات وتتنوع تبريراتها.
في السنوات الأخيرة، أخذت بعض المفاهيم تتبدل في خطاب بعض القوى والشرائح، فلم يعد الانحراف عن الثوابت الوطنية يُنظر إليه بذات المعايير التقليدية. بل جرى إدماج قراءات جديدة تعتبر أن «البراغماتية» و«المصلحة» يمكن أن تشكّل بديلاً عن المفهوم الكلاسيكي للثبات السياسي. وهكذا أصبحت بعض السلوكيات تُقدّم أو تُفسّر على أنها اجتهاد سياسي مشروع، في حين ينظر آخرون إليها بقلق شديد لما تحمله من تبعات على الوعي الجمعي والهوية الوطنية.
الأكثر تعقيداً في هذه الظاهرة ليس الاختلاف بحد ذاته، بل ترافقه مع محاولات إعادة تأطير الواقع السياسي عبر أدوات الإعلام ومؤسسات التأثير ومراكز التفكير. فالنقاش لم يعد يدور حول الفعل ذاته، بل حول شرعنته أو تجميله أو تطويعه ضمن معادلات جديدة، بينما تتراجع الأصوات الناقدة خشية أن تُفسّر مواقفها بأنها خروج عن «الإجماع» أو ممارسة للتجريح أو التخوين.
كما يبرز في هذا السياق تحدٍ آخر لا يقل خطورة: صعود خطاب يضع القيم الوطنية في مواجهة مفهوم المصلحة الخاصة، بينما يفترض أن تكون الوطنية إطاراً جامعاً يحدّد المصلحة العامة ويضبطها. ومع الوقت، تتسع مساحة الرماد، وتتراجع مساحة الأبيض والأسود، لتصبح كثير من القضايا محلاً للتأويلات المتباينة بدلاً من أن تكون موضع اتفاق.
وقد عُرفت التجربة الفلسطينية عبر تاريخها بقدرتها على فرز الخطاب الوطني وتمييز الثابت من المتحوّل. غير أن التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، وواقع الصراع، وتعقيدات الانقسام، سمحت جميعها بصعود مقاربات جديدة تحتاج اليوم إلى نقاش ناضج ومسؤول، خاصة في ظل وجود بيئة إعلامية مفتوحة وتنافس سياسي متسارع.
وربما عبّر الحديث النبوي الشريف عن بعض سمات هذه التحولات حين قال:
«يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخوَّن فيها الأمين».
وهو توصيف لا يُقصد به أشخاص بعينهم، بل قراءة لمرحلة تصبح فيها المعايير عرضة للتقلب والتسييس وإعادة التعريف.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في القدرة على حماية المفاهيم الوطنية من التمييع والتشويه، وضمان أن تبقى أساساً معيارياً للنقاش السياسي مهما تباينت الاجتهادات. فالمطلوب ليس إقصاء الآراء ولا تخوين أصحابها، بل إعادة تنظيم المجال الوطني وفق رؤية تحفظ الثوابت وتسمح باجتهادات مدروسة لا تمس جوهر القضية أو حقوق الشعب الفلسطيني.
في نهاية المطاف، تبقى المسألة مسألة وعي وتحصين للفضاء العام من التحريف والتشويش، وتأكيد أن الوطنية ليست موسمية ولا ظرفية، وأن القضايا الكبرى لا تُقاس بمنطق المكاسب الآنية بل بمعايير التاريخ وحقوق الشعوب.
المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة