التقاعد… نهاية وظيفة لا نهاية حياة
د. حسن بشارات
التقاعد… نهاية وظيفة لا نهاية حياة
بعد تأملٍ في أنماط التفكير المختلفة، وما يرافقها من انتقادات أو تساؤلات تتأخر سنوات قبل أن تظهر على السطح، حاولت تفسير ما يحدث حين يقترب الإنسان من مرحلة لم يكن مهيأً لها نفسيًا كما ينبغي. مرحلة تقع ما بين التكليف الوظيفي والروتين الممتد عبر سنوات طويلة من العمل، ذلك الروتين الذي يتحول مع الوقت إلى نظام حياة، وهوية، ومعنى يومي للوجود.
ورغم الإدراك المسبق لموعد نهاية الوظيفة، إلا أن لحظة الإحالة إلى التقاعد كثيرًا ما تأتي وكأنها على غفلة؛ إذ يشعر الفرد أن هناك الكثير مما لم يُنجز بعد، وأن التعب والجهد والبناء والمصاعب التي راكمت ذكريات مختلطة بين الإنجاز والإخفاق قد طُويت فجأة بقرار إداري. ينتهي مشوار العمل الوظيفي، لكن الحياة لا تنتهي، فما زال على الطرف الآخر من ينتظر، لتبدأ معه رحلة متجددة من العطاء والمعنى.
وهنا تبرز الفروقات الفردية، ويظهر بوضوح مدى الاستعداد النفسي والاجتماعي لهذه المرحلة. فثمة من يتقبل التقاعد بوصفه انتقالًا طبيعيًا، ويتهيأ لميدان جديد، مستثمرًا مخزون خبراته وتجربته الطويلة في مسارات إبداعية أو إنتاجية مختلفة. وفي المقابل، نجد من يصاب بالإحباط واليأس، وتداهمه الأفكار السلبية، فيغدو قلقًا خائفًا، ويفقد شغف العطاء، وكأن التقاعد إعلانٌ غير معلن عن نهاية الدور.
وهناك فئة ثالثة، لا تقل حضورًا، تميل إلى النقد الحاد، وتخرج ما كانت تكبته من اعتراضات على النظام الإداري الذي عملت ضمنه سنوات طويلة، وكأن زوال المسؤولية الوظيفية يبرر التنصل من أي التزام أخلاقي أو مهني سابق. وبين هذه الحالات المتباينة، نشهد نماذج نجاح وأخرى إخفاق، ولعل الفارق الجوهري بينها يكمن في مستوى الصدق مع الذات، والقدرة على التقبل، والبناء السليم للهوية المهنية، والكفاءة التي حكمت مسيرة العمل قبل التقاعد.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تقديم الدعم والتحفيز للمتقاعدين، لا سيما في استكشاف خيارات العمل الحر، والتخطيط لتحقيق الأهداف الشخصية، وتطوير مهارات جديدة تساعدهم على التكيف مع فقدان الهوية المهنية التي ألفوها. فالتقاعد ليس فقدانًا للقيمة، بل تحولًا في شكل العطاء.
وفي هذا السياق، يأتي دور الأخصائي النفسي بوصفه عنصرًا أساسيًا في مرافقة المتقاعد نحو تبني نمط حياة جديد، يخفف من شعور الملل والفراغ، ويعيد تنظيم اليوم والوقت والمعنى. ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات بسيطة وعميقة الأثر، مثل تشجيع المتقاعد على كتابة سيرته الذاتية، وتوثيق مواقف وتجارب الحياة، لتغدو لاحقًا دليلًا معرفيًا أو تعليميًا للأجيال والمحيط الاجتماعي.
كما أن التقاعد غالبًا ما ينعكس على شبكة العلاقات الاجتماعية، ما يستدعي تعزيز التواصل المستمر مع زملاء العمل السابقين، وبناء علاقات اجتماعية جديدة من خلال الانخراط في الأنشطة المجتمعية والتطوعية. ولا يمكن إغفال البعد المادي؛ فالتراجع في الدخل قد يفرض قيودًا على الأولويات والأنشطة، الأمر الذي يتطلب إعادة تنظيم الشؤون المالية، والتخطيط الواقعي للموازنة، واستكشاف فرص الاستثمار المتاحة بما يتلاءم مع الإمكانات.
خلاصة ما ذكر، إن المتقاعدين بحاجة إلى دعم نفسي مهني، موجه نحو إعادة الاختيار المهني وبناء هوية جديدة، تساعدهم على تقبل مرحلة انتهت، واستقبال أخرى بدأت بثقة واتزان، بعيدًا عن اليأس والقلق اللذين يقودان إلى فقدان الشغف بالحياة.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي التأكيد عليها هي أن طلب المساعدة النفسية قوة لا ضعف، ووعي لا عجز، وخطوة ناضجة نحو حياة متوازنة بعد التقاعد.
د. حسن بشارات





