الأقاليم بين أزمة التنظيم وغياب بنك المعلومات: قراءة قانونية وسياسية وانتخابية في مستقبل حركة فتح
اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله
الأقاليم بين أزمة التنظيم وغياب بنك المعلومات: قراءة قانونية وسياسية وانتخابية في مستقبل حركة فتح
اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله
تشهد حركة فتح لحظة تنظيمية مفصلية ترتبط مباشرة بمسار إعادة بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وبالحوار حول المؤتمر الثامن والانتخابات وتجديد الشرعية، وبموقع الحركة في المشروع الوطني. وفي قلب هذا المشهد يظهر سؤال لم يعد قابلاً للتأجيل: هل تمتلك فتح اليوم أدوات تنظيمية وقانونية وإدارية تسمح بتحديد العضوية والتمثيل وتوزيع القوة داخل الحركة؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى دور الأقاليم، وبنك المعلومات، وتثبيت العضوية، والنظام الداخلي ولوائحه التنفيذية.
أولاً: البعد التنظيمي – وظيفة الأقاليم بين النص والواقع
يُعرّف النظام الداخلي لحركة فتح الأقاليم بوصفها المستوى التنظيمي الوسيط الذي يعمل على تنفيذ قرارات القيادة، وإدارة العضوية، وتطوير الكادر، والتحضير للمؤتمرات الحركية، إضافة إلى تمثيل الحركة في المجتمع.
وظيفياً، يؤدي الإقليم أربعة أدوار مركزية:
دور تنظيمي: ضبط العضوية وتحديث قواعد البيانات والتقارير.
دور سياسي: قيادة الخطاب الحركي والحشد السياسي.
دور انتخابي: التحضير للمؤتمرات وإنتاج الشرعيات الداخلية.
دور استراتيجي: إدارة العلاقة مع القوى الاجتماعية والنقابية والطلابية.
لكن الواقع العملي يكشف فجوة بين النص التنظيمي والممارسة الفعلية، نتيجة عوامل منها:
تعطّل المؤتمرات الداخلية
التدخلات الفوقية في الأقاليم
تضارب الصلاحيات بين المركز والميدان
تحول التنظيم إلى جهاز لا إلى حركة سياسية
هذه الفجوة تُضعف قدرة الحركة على تعريف ذاتها: هل هي حركة وطنية أم حزب سياسي أم تنظيم سلطوي مرتبط بالحكم؟
ثانياً: البعد القانوني – النظام الداخلي ومشروعية الشرعية التنظيمية
المؤتمر الثامن المرتقب يطرح سؤال قواعد الانتخاب والتمثيل وفق النظام الداخلي واللوائح التنظيمية.
فالتنظيم لا ينتج الشرعية السياسية إلا إذا كان يمتلك شرعية تنظيمية وقانونية واضحة مبنية على:
تعريف العضوية
تثبيت العضوية
إجراءات الانتخابات الداخلية
صلاحيات الأقاليم
آليات الطعن
سجلات العضوية وبنك المعلومات
وبغياب هذه العناصر أو تغييبها، تتحول مسألة الشرعية إلى تفاهمات فوقية بين مراكز القوى، لا إلى عملية تنظيمية قانونية مقننة.
النظام الداخلي ينص على:
اعتماد العضوية
التصعيد من الشعبة إلى المنطقة فالإقليم
ثم تمثيل الإقليم في المؤتمر العام
لكن دون بنك معلومات موثّق وشفاف، يظل هذا التسلسل معطلاً في التطبيق، ما يؤدي إلى تضارب في:
عدد المنتسبين
نفوذ الأجنحة
معايير التمثيل
حق التصويت والترشيح
ثالثاً: البعد الانتخابي – الشرعية من القاعدة إلى القمة
تثبيت العضوية ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو جوهر العملية الانتخابية داخل الحركة.
فالعضوية تحدد:
عدد المندوبين
حجم الإقليم
وزن الكادر
خريطة النفوذ
طبيعة التحالفات الداخلية
وبغياب تثبيت عضوية شفاف سيتم إنتاج مؤتمر بترتيبات سياسية لا انتخابية، ما يعني أن الشرعية الناتجة ستكون شرعية توافقية لا شرعية انتخابية.
وهنا يمكن المقارنة مع الحركات الوطنية الكبرى مثل:
المؤتمر الوطني الأفريقي ANC
جبهة التحرير الوطني الجزائرية FLN
التي لم تتمكن من الانتقال من حركة ثورية إلى حزب دولة إلا حين قامت بـ:
تحديث العضوية
تأسيس بنك معلومات
تنظيم انتخابات داخلية
تقنين أهلية الترشح والتصويت
رابعاً: البعد السياسي – الحركة والدولة والمجتمع
الجدل حول الأقاليم ليس شأناً داخلياً فحسب، بل سياسي بامتياز، لأن فتح ليست مجرد تنظيم حزبي، بل الفاعل الرئيسي في:
السلطة الفلسطينية
منظمة التحرير
مؤسسات القرار الوطني
وبالتالي فإن أزمة الأقاليم تُترجم إلى أزمة في:
إدارة الحكم
بناء الائتلافات
صياغة القرار السياسي
تمثيل القوى الاجتماعية
العلاقة مع المجتمع الفلسطيني
وعلى هذا الأساس، فإن إصلاح البنية التنظيمية ليس رفاهية، بل شرط لاستعادة الحركة قدرتها على:
قيادة المشروع الوطني
إدارة التفاوض
إدارة المقاومة
وإعادة بناء منظمة التحرير
خامساً: البعد الاستراتيجي – إدارة الانتقال بين مرحلتين
من منظور استراتيجي، تبدو فتح أمام انتقال تاريخي من:
حركة تحرر وطني إلى
حزب سياسي داخل نظام متعدد المستويات (منظمة التحرير + السلطة + المجتمع)
هذا الانتقال لا يكتمل دون أدوات تنظيم حديثة، أهمها:
بنك معلومات رقمي موثوق
تثبيت عضوية خاضع للمعايير
أقاليم فعّالة
انتخابات داخلية
لوائح تنظيمية محكمة
مأسسة القرار
وإلا فإن الحركة ستظل عالقة بين وظيفتين دون قدرة على أداء أي منهما بكفاءة.
خاتمة استراتيجية
إن الجدل حول دور الأقاليم، وبنك المعلومات، وتثبيت العضوية، ليس نقاشاً فنياً ولا إجرائياً، بل هو نقاش حول مستقبل الشرعية داخل الحركة، وبالتالي مستقبل موقعها في المشروع الوطني الفلسطيني.
وإذا أرادت فتح أن تدخل المؤتمر الثامن بقدرة على إعادة بناء الشرعية واستعادة الشارع الفلسطيني، فإن عليها أن تحسم ثلاثة ملفات كبرى:
الملف التنظيمي: إعادة بناء الأقاليم وتفعيلها
الملف القانوني: تطبيق النظام الداخلي واللوائح بلا انتقائية
الملف الاستراتيجي: تحديد وظيفة الحركة في المرحلة المقبلة
بدون هذه المسارات، ستظل الشرعية شكلية والتجديد التوافقي عاجزاً عن إنتاج قيادة قادرة على إدارة المرحلة القادمة داخلياً وإقليمياً ودولياً.



