السردية الفلسطينية قراءة في التحولات والقيود

د. فؤاد ربايعة - باحث في العلاقات الدولية

يناير 13, 2026 - 14:06
السردية الفلسطينية  قراءة في التحولات والقيود

السردية الفلسطينية

قراءة في التحولات والقيود

 

د. فؤاد ربايعة - باحث في العلاقات الدولية

 

مقدمة

لم تكن القضية الفلسطينية يوماً مجرد صراع على الأرض، بل شكلت في جوهرها صراعاً على المعنى، وعلى الرواية التي تُعرّف هذا الصراع أمام العالم. فمنذ النكبة عام 1948، تبلورت السردية الفلسطينية بوصفها سردية تحرر وطني، تستند إلى حق تاريخي، وعدالة قضية، وتجربة إنسانية جماعية عميقة، عبّر عنها الفلسطينيون سياسياً وثقافياً وإعلامياً، وربطوها بنضالهم من أجل الحرية والاستقلال وإنهاء الاستعمار الاستيطاني.

غير أن هذه السردية، التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر القوة المعنوية والسياسية للشعب الفلسطيني، شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة. ولم تكن هذه التحولات وليدة خيار فلسطيني أحادي، بقدر ما جاءت نتيجة تداخل معقد لعوامل الاحتلال، والانقسام الداخلي، والتحولات في النظام الدولي، وطبيعة الاشتباك السياسي غير المتكافئ مع القوى المؤثرة عالمياً. وقد أدى هذا التداخل إلى تآكل تدريجي في حضور السردية الفلسطينية بوصفها مشروع تحرر سياسي، مقابل صعود مقاربات إنسانية وإغاثية اختزلت القضية في بعدها المأساوي، دون ربطه بسياقه الاستعماري والسياسي الأوسع.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المركزي يتمحور حول عدالة القضية الفلسطينية، إذ لا تزال هذه العدالة تحظى باعتراف أخلاقي واسع، بل بات السؤال الأهم متعلقاً بقدرة الفلسطينيين على تحويل هذه العدالة إلى سردية سياسية فاعلة، قادرة على التأثير في الرأي العام الدولي وصناعة القرار. ويُعد هذا التراجع في التأثير نتاجاً لبيئة سياسية شديدة التعقيد، فرضها الاحتلال، وعززها الانقسام، وكرّسها نظام دولي أعاد تعريف القضية الفلسطينية ضمن أطر إنسانية وإجرائية.

 

 

تهدف هذه الورقة إلى مقاربة أزمة السردية الفلسطينية من زاوية تحليلية. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن هذه الأزمة ليست أزمة نوايا أو تقصير فاعلين بعينهم، بل أزمة بنيوية ناتجة عن اشتباك طويل الأمد مع واقع احتلالي مهيمن، وانقسام داخلي مُنهِك، ومسار دولي قيّد الفعل السياسي الفلسطيني بسقوف ضيقة. ومن هنا، تعالج الورقة ثلاثة محاور رئيسية، تمهيداً لطرح تساؤلات مفتوحة حول إمكان استعادة السردية الفلسطينية وشروط ذلك.

 

السردية تحت الاحتلال – حين يفرض القوي روايته

لا يمكن فهم تراجع السردية الفلسطينية في الفضاء الدولي دون التوقف عند الدور المركزي الذي لعبه الاحتلال الإسرائيلي في فرض روايته الخاصة حول الصراع. فمنذ نشأة المشروع الصهيوني، لم يقتصر الاشتباك مع الفلسطينيين على البعد العسكري أو الجغرافي، بل اتخذ منذ وقت مبكر طابعاً سردياً، سعى من خلاله الاحتلال إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع وأسبابه وأطرافه، بل وحتى مفرداته الأساسية.

نجحت إسرائيل عبر عقود طويلة في بناء سردية سياسية وإعلامية متماسكة، تقوم على تبسيط الصراع وتحويله إلى إطار أمني ضيق، تُقدَّم فيه بوصفها "دولة تدافع عن نفسها" في مواجهة "تهديدات أمنية ووجودية مستمرة". ورغم ما تنطوي عليه هذه السردية من تجاهل للسياق الاستعماري الاستيطاني، وتزييف للواقع التاريخي والقانوني، إلا أنها استطاعت فرض حضورها بقوة في الخطاب الدولي، مستفيدة من وضوح خطابها، واستمراريته، وقدرته العالية على التكيّف مع أدوات الإعلام الغربي ولغة مراكز صنع القرار.

في المقابل، وُضعت الرواية الفلسطينية في موقع دفاعي شبه دائم، حيث اضطرت في كثير من الأحيان إلى الرد على السردية الإسرائيلية بدل المبادرة إلى فرض روايتها الخاصة. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الموقع الدفاعي إلى نمط ثابت في الخطاب الفلسطيني الخارجي، ما أضعف قدرته على التأثير، وأفقده الريادة في الخطاب، وجعله أسيراً لردود الأفعال، سواء في المحافل السياسية أو في الساحة الإعلامية الدولية.

وتتجلى الفجوة بين السرديتين في أن الاحتلال استطاع تقديم رواية واحدة متماسكة، تُعاد صياغتها وتكرارها دون تردد، في حين بدت السردية الفلسطينية أكثر تشظياً، تتغيّر لهجتها وأولوياتها تبعاً للسياق السياسي والضغوط الدولية. وبين خطاب قانوني، وآخر إنساني، وثالث سياسي، افتقد الفلسطينيون في كثير من الأحيان إلى رواية جامعة قادرة على الربط بين هذه المستويات المختلفة ضمن إطار تحرري واضح. ولا يعكس ذلك غياب الجهد أو ضعف القناعة بعدالة القضية، بقدر ما يعكس اختلال ميزان القوة السردية في صراع غير متكافئ.

كما أسهمت طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأرض والحدود والموارد في تكريس منطق "إدارة الصراع" بدل حله، وهو منطق وجد قبولاً واسعاً في الأوساط الدولية. وقد أدى ذلك إلى تهميش البعد السياسي للقضية الفلسطينية، وإعادة إنتاجها ضمن أطر تقنية وإجرائية، تركز على الاستقرار والأمن أكثر من تركيزها على الحقوق والسيادة. ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة السردية الفلسطينية على فرض نفسها بوصفها خطاباً سياسياً مبادراً، وتحولت في كثير من الأحيان إلى خطاب دفاعي يسعى إلى إثبات الحق بدل فرضه كحقيقة سياسية غير قابلة للتفاوض.

 

الانقسام الفلسطيني وتفكك الصوت الجامع

شكّل الانقسام الفلسطيني أحد أكثر العوامل إضراراً بالسردية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي، ليس فقط بسبب آثاره السياسية والجغرافية، بل لما أفرزه من تعدد في الخطاب والرواية والتمثيل. فقد تحوّل الفلسطينيون، في نظر العديد من الفاعلين الدوليين، من شعب يمتلك قضية سياسية واضحة، إلى أطراف متعددة تحمل خطابات متباينة، وأحياناً متناقضة، حول طبيعة الصراع وأولوياته وسبل التعامل معه.

لم يكن الانقسام في جوهره خلافاً على عدالة القضية أو أهدافها الوطنية، بل خلافاً على أدوات إدارتها واستراتيجيات الاشتباك معها. غير أن امتداده الزمني، وتحوله إلى واقع مؤسسي وسياسي مستقر، أسهما في نقل الخلاف من مستوى سياسي قابل للحل إلى مستوى بنيوي انعكس مباشرة على وحدة السردية الفلسطينية. وبدل رواية وطنية جامعة، برزت روايات متوازية، لكل منها لغتها وأولوياتها، ما أضعف القدرة على مخاطبة العالم بصوت واحد.

على المستوى الدولي، أتاح هذا التفكك السردي مجالاً أوسع للاحتلال لتعزيز روايته، مستفيداً من غياب خطاب فلسطيني موحد يمكن الارتكاز إليه. كما أسهم الانقسام في إرباك الشركاء الدوليين أنفسهم، الذين وجدوا صعوبة في تحديد الجهة المخولة بالتحدث باسم الفلسطينيين، أو في التعامل مع مشروع سياسي متماسك يمكن دعمه أو الضغط من أجله. ولم يكن هذا الانقسام معزولاً عن محيطه الإقليمي، إذ تداخلت فيه بدرجات متفاوتة، أدوار لقوى خارجية رأت في استمرار الانقسام فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي، أو لتوظيف الساحة الفلسطينية ضمن حسابات ومصالح تتجاوز الاعتبار الوطني الفلسطيني الخالص. ونتيجة لذلك، جرى التعامل مع القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان كملف منقسم على ذاته، لا كقضية تحرر وطني ذات مرجعية سياسية واحدة.

وامتد أثر الانقسام إلى الخطاب الشعبي والإعلامي، حيث انعكست حالة الاستقطاب الداخلي على طبيعة الرسائل الموجهة إلى الخارج. فبين خطاب يركز على المواجهة والصمود، وآخر يسعى إلى الحفاظ على قنوات التواصل الدولية، ضاعت في كثير من الأحيان المساحة المشتركة القادرة على إنتاج سردية متوازنة تجمع بين الحقوق الوطنية والواقعية السياسية. ومع مرور الوقت، طغت الاعتبارات الفصائلية والتنافسية على الاعتبارات السردية الجامعة، ما أضعف صورة الفلسطينيين كفاعل سياسي موحد في نظر العالم.

 

تدويل القضية الفلسطينية ونزعها من سياقها السياسي

إلى جانب الاحتلال والانقسام، أسهم المسار الدولي الذي سلكته القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة في إعادة تعريفها خارج إطارها السياسي التحرري. فمع اتساع انخراط المجتمع الدولي في الشأن الفلسطيني، ولا سيما عبر المؤسسات الأممية والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية، جرى تدريجياً نقل القضية من كونها مسألة استعمار استيطاني وحق في تقرير المصير، إلى ملف إنساني وإغاثي تُقاس أولوياته بحجم المساعدات وبرامج الدعم ومستويات الاستقرار النسبي.

لم يكن هذا التحول نتيجة استهداف مباشر، بقدر ما كان انعكاساً لمنطق دولي يفضل إدارة الأزمات بدل معالجتها جذرياً. وفي هذا السياق، أُعيد إنتاج الخطاب الفلسطيني بلغة تتلاءم مع اشتراطات المانحين ومعايير المؤسسات الدولية، ومفردات القانون الإنساني، على حساب لغة التحرر والسيادة. وأدى ذلك إلى بروز سردية إنسانية قوية تُبرز المعاناة الفلسطينية، لكنها في الوقت ذاته تفصل هذه المعاناة عن سببها السياسي والاستعماري.

كما عزز هذا المسار منطق "إدارة الصراع"، حيث بات الهدف المعلن منع الانفجار وضمان الحد الأدنى من الاستقرار، بدل الدفع نحو تسوية عادلة وشاملة. وفي ظل هذا المنطق، جرى التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم طرفاً بحاجة دائمة إلى المساعدة والحماية، لا بوصفهم شعباً يخوض نضالاً سياسياً من أجل إنهاء الاحتلال. وقد انعكس ذلك على طبيعة الخطاب الفلسطيني الخارجي، الذي اضطر إلى التكيّف مع هذا السقف الدولي الضيق.

 

خاتمة

 السردية الفلسطينية بين الاستعادة وإعادة الصياغة

تُظهر هذه الورقة أن تراجع السردية الفلسطينية ليس نتيجة تقصير ذاتي بقدر ما هو نتاج تراكمي لاختلالات بنيوية فرضها الاحتلال، وعمقها الانقسام، وكرسها مسار دولي أعاد تعريف القضية خارج سياقها التحرري. وفي ظل هذا الواقع، باتت أزمة السردية تعبيراً عن خلل أعمق في العلاقة بين السياسة والتمثيل، وفي طبيعة الاشتباك الفلسطيني مع نظام دولي يتعامل مع القضية بوصفها أزمة إنسانية قابلة للإدارة، لا مسألة تحرر وحق في تقرير المصير.

غير أن تشخيص هذه الأزمة لا يعني التسليم بها أو التعامل معها كقدرٍ ثابت. فاستعادة السردية الفلسطينية لا تتطلب اختراع رواية جديدة بقدر ما تستدعي إعادة الاعتبار للرواية الأصلية بوصفها مشروع تحرر سياسي متكامل، على أن يُعاد تقديمها بصورة أكثر وعياً بطبيعة السياق الدولي وأدواته، دون الارتهان له. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري ألا تبقى الذاكرة الفلسطينية، ولا سردية النضال والتاريخ، رهينة لمنطق المساعدات أو اشتراطات الدعم الخارجي، بل أن تُستعاد بوصفها ملكاً سياسياً وأخلاقياً للشعب الفلسطيني، تُوظَّف لخدمة مشروعه الوطني لا لإدارة أزمته.

كما تقتضي استعادة السردية العمل على إعادة التوازن بين البعد الإنساني والبعد السياسي، بحيث لا يُختزل الفلسطيني في صورة الضحية المحتاجة للحماية فقط، ولا يُفصل الألم اليومي عن سببه البنيوي المتمثل في الاحتلال كنظام هيمنة. فالقوة الحقيقية للسردية الفلسطينية تكمن في قدرتها على الجمع بين المعاناة والحق، وبين الواقع والهدف، وبين الخطاب العقلاني والعدالة التاريخية.

في المحصلة، ليست السردية الفلسطينية مسألة لغوية أو إعلامية، بل خياراً سياسياً طويل النفس، يتطلب وعياً جماعياً بأن معركة الرواية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. فالسردية ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لإعادة تعريفه وتحدي شروطه، واستعادتها تظل شرطاً أساسياً لأي أفق سياسي فلسطيني قابل للحياة، في الحاضر كما في المستقبل.