ما الذي يخبئه عام ٢٠٢٦ مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والدولية؟ وهل نحن أمام حرب كبرى وانهيار السلام العالمي؟

سليمان إسماعيل الديك : باحث في الشأن الفلسطيني حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

يناير 13, 2026 - 13:58
يناير 13, 2026 - 17:24
ما الذي يخبئه عام ٢٠٢٦ مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والدولية؟ وهل نحن أمام حرب كبرى وانهيار السلام العالمي؟

ما الذي يخبئه عام ٢٠٢٦ مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والدولية؟ وهل نحن أمام حرب كبرى وانهيار السلام العالمي؟

 

سليمان إسماعيل الديك

باحث في الشأن الفلسطيني

حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

ssulaiman.i.m.96@gmail.com

 

مع دخول عام 2026، يبدو المشهد الدولي أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى. من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ومن المحيط الهادئ إلى أفريقيا، تتشابك ملفات السياسة والاقتصاد والأمن في شبكة معقدة من التوترات التي تجعل السؤال الأكثر تداولًا:

إلى أين يتجه العالم؟ وهل نحن أمام ولادة حرب كبرى قد تُعيد رسم الخرائط؟

اليوم، تقف بعض الدول على حافة الاشتعال، ولا يبدو أن هناك أية مؤشرات على تراجع حدة العنف في النزاعات القائمة. ففي شمال أوروبا ما زال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلوح بمواصلة القتال حتى تحقيق نصر كامل على أوكرانيا، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا وأفريقيا ما زالت الحروب تتقاطع وتتصاعد، فما زال النزاع مستمرًّا في السودان يودي بآلاف الأرواح، واليمن يغرق في حرب طويلة الأمد، والصراع في سوريا عاد إلى الواجهة مجددًا، والقضية الفلسطينية برمتها ما زالت جرحًا مفتوحًا، ويتنامى التوتر بين الصين وتايوان، إضافةً إلى هشاشة الوضع بين تايلاند وكمبوديا، وفي أفريقيا تتجدد دوائر الصراع بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ومع تداخل هذه الشرارات وغيرها، يبدو النظام الدولي هشًّا أكثر من أي وقت مضى.

قبل حلول العام، اتفق معظم الباحثين والمحللين على أن 2026 سيكون عام المفاجآت والاضطرابات. وما إن انقضت ساعات الاحتفالات العالمية بقدومه، حتى استيقظت العواصم على أول صدمة جيوسياسية كبرى، وهي عملية عسكرية أمريكية معقدة استمرّت إلى ساعات غزت فيها القوات الأمريكية فنزويلا، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ونقلهم إلى خارج البلاد. وأثار هذا الحدث صدمة في الأوساط الدبلوماسية والسياسية العالمية، ووصف مراقبون الحدث بأنه "سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين"، بل وتنذر باشتعال صراعات إقليمية ودولية لم يسبق لها مثيل في العقود الأخيرة.

بعد عدة أيام من هذا الحدث العالمي المفاجئ، جاءت المفاجأة الأخرى والخطيرة، حيث استولت القوات الأمريكية على ناقلة نفط روسية في شمال المحيط الأطلسي ترفع العلم الروسي اسمها "مارينيرا" وكانت معروفة سابقًا بإسم "بيلا ١". مما زاد حدة التوتر بين واشنطن وموسكو.

تشير هذه المعطيات والوقائع على الارض إلى أننا أمام تصعيد متواصل في التوترات، لا حرب عالمية مباشرة، ولكن حروب بالوكالة، ومعارك نفوذ في الساحات الرمادية. فالعالم يتّجه نحو مزيد من التكتلات: الصين وروسيا تسعيان الى بناء محور مضاد في وجه الهيمنة الأميركية، فيما تحاول أوروبا الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي رغم هشاشة وحدتها.

وبالعودة إلى الشرق الأوسط، وتصاعد حدة الخطاب الأمريكي والاسرائيلي تجاه ايران، وارتفاع التحذيرات الإسرائيلية من تمارين صاروخية إيرانية قد تخفي هجومًا مفاجئًا ضد إسرائيل، تدخل العلاقة بين البلدين مرحلة جديدة من التهديد المتبادل الذي ينذر بانفجار مواجهة عسكرية واسعة بينهما، يظل الموقف الأميركي هو العامل الأكثر حسماً في تحديد اتجاه التصعيد بين الجانبين، إلا أن المعطيات تشير إلى احتمال تجدد المواجهة العسكرية المباشرة بين تل أبيب وطهران في المدى القصير.

في ضوء ما تقدّم، ووفق قراءتنا للمشهد السياسي المتصاعد بين إسرائيل وإيران، يمكن تلخيص واستشراف ما هو آتٍ على النحو التالي:

أولًا: نتنياهو يعمل على ترسيخ نفسه كقائد المواجهة مع إيران، ويستثمر هذا الخطاب لتعزيز مكانته داخلياً، خصوصاً في عام انتخابي يحتاج فيه إلى شدّ عصب قاعدته السياسية.

ثانيًا: أي تصعيد، سواء كان عسكرياً أو لفظياً يخدم نتنياهو سياسياً، إذ يعزّز الشعور لدى الجمهور الإسرائيلي بأن الخطر الإيراني يتطلب قيادة قوية وحاسمة، وهو ما يسعى لتجسيده.

ثالثًا: احتمال توجيه ضربة إسرائيلية لإيران لا يمكن استبعاده، بل قد يكون وارداً بنسبة كبيرة، لكن المرجح أن تكون الضربة خاطفة وسريعة وليست مواجهة طويلة، حرصاً من إسرائيل على عدم الانجرار إلى حرب شاملة.

رابعًا: إذا حدثت الضربة، فمن المتوقع أن تستهدف مواقع حساسة أو شخصيات مؤثرة أو منشآت ذات قيمة عالية، وربما مواقع نووية، بهدف إحداث أكبر تأثير بأقل وقت ممكن، على غرار ما حصل في حرب الإثني عشر يومًا في صيف العام الماضي.

وبناءً على ذلك، فإن هذا العام قد يشهد تصعيداً تدريجياً بين الطرفين، قد لا يصل إلى حرب شاملة، لكنه قد يتحوّل إلى مواجهة محسوبة تُستخدم سياسياً بقدر ما تُستخدم عسكرياً.

 

وفي الختام، وبوصفي مراقب للمشهد السياسي العالمي عمومًا والمشهد الشرق أوسطي على وجه الخصوص، أجد أن العالم اليوم بحاجة إلى شجاعة سياسية حقيقية، تعلو فوق ضجيج السلاح، فالتوترات السياسية والعسكرية المتصاعدة لا يمكن احتواؤها إلّا بالعودة إلى العقل والدبلوماسية، وفتح مسارات حوار بين القوى المتصارعة. ولعل أهم ما يجب الاعتراف به بوضوح، أن مفتاح السلام المستدام في الشرق الأوسط، بل وربما العالم كله، يبداً وينتهي عند حل القضية الفلسطينية، وإعطاء الفلسطيني حقه في دولته المستقلة وحقه في تقرير المصير، الذي كفله له القانون الدولي والإنساني وقرارات الشرعية الدولية.

وفي خلاصة التوقعات لمقالنا هذا، نشير إلى أن العالم يواجه اختبارًا صعبًا لمرونة نظامه الدولي، وسيخرج العالم من اختبارات ٢٠٢٦ إمّا وقد أثبتت الدبلوماسية والدبلوماسيون أنهم أقوى من نوازع الحرب، وأكثر حكمة في لحظات الردع الحاسمة، وإمّا قد قررت الصواريخ العابرة للقارات بما تحمله من رؤوس نووية وتقليدية أن تكون هي الحكم الأخير في نزاعاتنا، لتكتب بذلك فصلًا تدميريًّا لا يكون بعده فصول. والسؤال الأهم، لمن ستكون الكلمة الفصل، للعقل أم للصواريخ؟ الشهور، وربما الأسابيع المقبلة، ستكشف لنا الجواب، وهو جواب سيحدد ملامح العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين.