اختطاف العدالة أم عدالة الاختطاف؟
نحو جبهة قانونية دولية لمساءلة الولايات المتحدة دفاعًا عن سيادة الدول وحقوق الشعوب
اختطاف العدالة أم عدالة الاختطاف؟
نحو جبهة قانونية دولية لمساءلة الولايات المتحدة دفاعًا عن سيادة الدول وحقوق الشعوب
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في زمنٍ تتراجع فيه هيبة القانون الدولي أمام سطوة القوة، وتُختبر فيه مصداقية منظومة الأمم المتحدة، تبرز قضية مارديورا وزوجته بوصفها جرس إنذار عالمي، لا يتعلق بمصير شخصين فحسب، بل بمصير النظام الدولي ذاته. فما جرى وجرى تبريره تحت عناوين “الأمن” و“الملاحقة القضائية” يثير أسئلة جوهرية حول حدود السلطة، وشرعية الإجراءات، ومعنى السيادة في عالمٍ يتجه إلى تكريس منطق الإكراه بدلًا من حكم القانون.
إن نقل أشخاص قسرًا خارج إقليم دولتهم، أو احتجازهم ومحاكمتهم دون تفويض دولي صريح، يُعد—وفق قواعد القانون الدولي العام—انتهاكًا صارخًا لمبدأ سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المنصوص عليهما في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (2/4) التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها. كما يشكل ذلك خرقًا للقانون الدولي العرفي، ويقوّض أسس الاستقرار الدولي.
سيادة الدول ليست استثناءً
إن تحويل الولاية القضائية الوطنية إلى أداة عابرة للحدود، دون احترام للاختصاص المكاني أو للضمانات الإجرائية، يفتح الباب أمام فوضى قانونية دولية. فاليوم مارديورا وزوجته، وغدًا قد تكون أي دولة أو أي مواطن هدفًا لإجراءات مماثلة، إذا ما استقر الحال على منطق القوة وفرض الخيارات بالقسر.
محاكمة بلا ضمانات
تثير الإجراءات المتخذة في الولايات المتحدة تساؤلات جدية حول شرعية المحاكمة وتوافر معايير العدالة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي مقدمتها:
حظر الاحتجاز التعسفي،
الحق في المثول أمام قاضٍ مستقل ومحايد،
الحق في محاكمة عادلة،
وعدم إخضاع الأفراد لإجراءات ذات طابع سياسي أو انتقامي.
إن الطعن بهذه الإجراءات ليس موقفًا سياسيًا، بل واجب قانوني وأخلاقي دفاعًا عن عالمية حقوق الإنسان وعدم انتقائيتها.
مسؤولية الدولة وصنّاع القرار
لقد أسهمت سياسات الإدارة الأمريكية ، في عهد دونالد ترامب السابقة واليوم، في تكريس نهجٍ يقوم على تجاوز المؤسسات الدولية، والانسحاب من الاتفاقيات، وتطبيع استخدام القوة والعقوبات والضغط القضائي كأدوات سياسية. هذا النهج لا يهدد دولة بعينها، بل يقوّض الثقة بالنظام الدولي ويشجع على سلوكيات مماثلة من قوى أخرى.
ووفق مبادئ المسؤولية الدولية، فإن المساءلة لا تسقط بالتقادم، وتشمل الدولة ككيان قانوني، كما تشمل المسؤولية الفردية لصنّاع القرار الذين أمروا أو صادقوا على هذه السياسات، حين ترقى الأفعال إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة.
الحاجة إلى جبهة قانونية دولية
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من الإدانة اللفظية إلى فعل قانوني منظم، عبر تشكيل جبهة دولية قانونية تضم:
خبراء في القانون الدولي،ومنظمات حقوق إنسان مستقلة،
ونقابات المحامين،وبرلمانيين وقوى سياسية مؤمنة بحكم القانون.
وتتمثل مهام هذه الجبهة في:
تدويل القضية أمام الهيئات القضائية والحقوقية المختصة.
الطعن في شرعية إجراءات الاختطاف والمحاكمة.
مساءلة الولايات المتحدة عن خرقها لميثاق الأمم المتحدة.
الدفاع عن مبدأ سيادة الدول وحق الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير.
خاتمة
إن الدفاع عن مارديورا وزوجته هو دفاع عن القانون الدولي ذاته. فالصمت على هذه الانتهاكات يعني القبول بعالم تحكمه شريعة الغاب، حيث تُختطف العدالة باسم القانون، وتُداس السيادة تحت ذرائع الأمن.
حفاظًا على السلم الدولي، وصونًا لميثاق الأمم المتحدة، وحمايةً لحقوق الإنسان، فإن الواجب يفرض موقفًا دوليًا حازمًا يعيد الاعتبار للقانون، ويؤكد أن السيادة ليست منحة، وأن الحرية ليست جريمة، وأن العدالة—كي تبقى عدالة—لا يجوز اختطافها.



