حركة فتح، في انطلاقتها
الحلقة الرابعة
حركة فتح، في انطلاقتها
الحلقة الرابعة
***
وإذا كانت فتح قد لعبت دوراً في غاية الأهمية، في تشكيل مجتمعها، من أجل فكرة التعامل مع مخرجات الشرعية الدولية، وقبول تقسيم الوطن التاريخي، على ما فيه من ألَم، بسبب سقوط التاريخ على كاهل فتح، فإن المجتمع الإسرائيلي، في المقابل، ومنذ أوسلو، حتى الآن، وبالذات اليمين الإسرائيلي المتطرّف والمتوحّش والتلمودي، قد ذهب بعيداً في دمنا، وفي التنكّر للحق الفلسطيني والوجود الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، فإن التيار الصهيوني العريض وهوامشه اليمينية، قد أذاب الهوامش اليسارية منه، بحيث تحوّلت النُخَب الإسرائيلية الحاكمة والمثقّفة إلى داعية للاستيطان والطرد والقتل وتكريس الاحتلال. وفي هذا كشف حقيقي لرؤية كل طرف على المستوى الاجتماعي والثقافي لاتفاق أوسلو. ويمكن القول أكثر من ذلك؛ إن أوسلو غيّر المجتمع الفلسطيني إلى القبولية، في حين حوّل المجتمع الإسرائيلي إلى كامل الرفض! وهذا يدفعنا للقول؛ إن المجتمع الإسرائيلي لا يمكن له أن يصنع سلاماً مع الآخرين، فضلاً عن نفسه.
وقد وَقَع العالم الغربي في خطيئة أخرى من خطاياه، وهي أنه ساعد ودعم وحاول نشر فكرة القبول للإسرائيلي داخل المجتمع الفلسطيني، عن طريق مراكز البحث والدعم المالي والدورات وخلق النُخب وتشجيع المبادرات وربط المساعدات بهذه الثقافة الجديدة، في حين أن هذا المجتمع الغربي لم يطلب من الإسرائيليين الشيء ذاته، الأمر الذي تحوّل فيه الإسرائيليون إلى متطرّفين أكثر فأكثر..بحيث شهدنا، منذ أوسلو حتى اللحظة، تفريخاً متصاعداً لأحزاب اليمين المتطرّف الاستيطاني والمتوحّش والحاخامي. كما أن بعضنا اعتقد بأننا إذا قمنا بواجبنا "الأمني" وطبّقنا ما هو مطلوب منّا..فإن العالَم سيعطينا حقوقنا! لكن النتيجة هي أن الاحتلال والغرب طالبنا بأن نقوم بواجباتنا، ولم يُطالب إسرائيل بواجباتها! بل إن إسرائيل نفسها "انتقت" ما يناسبها من الاتفاقيات (الأمن) وأدارت ظهرها لباقي القضايا! والأدهى أن إسرائيل والغرب ما فتئ يطالبنا ب"الهدوء" وبالمزيد من التنازلات والإصلاح! والوصول إلى حلول وسط - بعد أن قضى على غزة، وقسّمها وحاصرها جوعا، وبعد أن اعترفنا وأعطينا إسرائيل أربعة أخماس وطننا التاريخي.
وحركة فتح التي وَقَعت في إشكالية "منُجَز السُلطة" و"مُنجَز التحرّر الوطني" دفعها إلى سياسات مواربة وغير واضحة ومرتبكة، وهي سياسة دفعت ثمنها غالياً! فهي لم تحافظ على السلطة من جهة، باعتبار أن "السلطة" خيار دولي أكثر منه إنجازاً وطنياً أصيلاً. وفَقَدت فتح، في الوقت ذاته، الكثير من علاقتها بالجمهور الذي اختبرها، في لحظة تاريخية مصيرية، فلم تكن كما توقّع!!إنه مصير درامي مُفجع.
إن انعقاد المؤتمر السادس والسابع بالكيفيّة المعوَّمَة بالارتجال والشعبوية، وغياب المراجعات والمكاشفة الحقيقية والشفافة..علاوة على تراجع الدور الحقيقي والفاعل لمربّعات فتح من مركزية ومجلس ثوري واستشاري..أدّى إلى مزيد من التراخي والانفكاك وإدارة الظهر للحركة، وإلى التسطّح وعدم الثقة في القرارات التي لا تجد لها أرضاً للتنفيذ، إضافة إلى أن كل ذلك مرتبط ومرهون، إلى حدّ كبير، بمكان انعقاد المؤتمر، فالجغرافيا لها ضريبة، نراها في السقوف والمداخلات والأعضاء والتوجّه ومراكز القوى وجماعة الضغط ومركز صنُع القرار.
ويعتبر تعزيز المكوّنات التنظيمية والعسكرية والجماهيرية ومدى قوّة تمثيلها في المؤتمر، المدخل الأول لفهم توجهات الحركة السياسية والنضالية، ومدى تمسّك الحركة بكونها حركة تحرر وطني، سواء على مستوى البُنية أو البرنامج السياسي.فَهل ستكون اجتماعات فتح القادمة، صراخاً أم زفّة نفاق وتصفيق للقيادة، أم نقاشاً هادئاً، يصل فيه المجتمعون إلى قرارات جامعة، بعيداً عن رَفْع الأيدي وخَطْف المواقف، تحت دعاوي الحفاظ على فتح أو درْءاً لمخاطر تتهدّدها؟
إن الفتحاويين مدعوّون لإعادة صقل وحماية المفاهيم الأساسية، التي ميّزت حركة فتح، وجعلتها رائدة جاذبة ونافذة وعظيمة، ونعني بذلك مفاهيم التعددية والحريّة والاستقلالية، جنباً إلى جنب العطاء غير المحدود والتضحية البليغة، في جميع مراحل ومواقع النضال الفلسطيني.
وإن مظاهر الاصطفاف والاستقطابات المُمضّة، ستدفع فتح نحو تقسيم "الكعكة" بين الأمراء والمتنفّذين، بدل تغليب الأجندة الأساسية التي ينتظرها الناس، وبدل تمتين فتح، لتصبح أكثر قدرة على المجابهة والثبات، والانطلاق من جديد.
وأشير إلى أن فتح التي نهضت على منجزات وبطولات فذّة وعبقرية، وعلى دماء رموزها التاريخيين ومعاناتهم في الخنادق والمعتقلات، وأن فتح التي تمتلك سرّاً أسطورياً يستطيع أن يجمع كل غبارها المتناثر ليصبح سبيكة صلبة وقت الشدائد، وأن فتح التي تفسّخت، كما يبدو، هذه الأيام، هي فتح التي تتلمّس طريق العودة إلى روحها الأولى الساطعة والجامعة، وتستطيع فتح أن تنجح بامتياز بشرطين لا ثالث لهما، الأول: أن تبقى بوصلتها متجهة نحو القدس، حتى ترفع العلم على سارية الأسوار والقباب، والثاني أن تشيع العدل والميزان في فضائها.
ولعلي أتناول هذا الموضوع لإثارة غير قضية، تنعش الحوار حول المسكوت عنه داخل فتح، وحتى نفتح الأبواب على مصاريعها، ليخرج الهواء الفاسد، وتدخل شمس القدرة على قول كل شيء، دون مواربة أو نقصان، وأول تلك القضايا أن قيادة فتح الحالية، هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل التصدّعات والغياب والتكلّس والتبديد الذي أصاب الحركة، ولهذا لا يجوز أن لا تسمع هذه القيادة رأينا، بعيداً عن الترهيب والترغيب. مع أهمية تمكين الشباب والمرأة والدم الجديد والديمقراطية الحقيقية.. من الوصول والتعبير عن الذات والنفاذ.
إن فتح تحتاج، في داخلها، إلى ما يُسمّى بالكتلة التاريخية، بالمفهوم الغرامشي، حتى تكون هذه الكتلة الخليةَ الصحيّة، القادرة على جذب الخلايا الحيّة، والتي تستطيع أن تحتلّ المساحات البور واليباب في جسد الحركة المُرهق.. على أن تكون ثقافة هذه الكتلة ثقافةَ المقاومة التي تتسع لكل معاني المقاومة، غير المختَزلة في شكل واحد، يتناقض مع جدلية المقاومة والنضال.
وإن حالة الغيبوبة التي أصابت معظم أعضاء قيادات الحركة، أفقياً وعمودياً، وتماهيهم مع حالة الصراع والمناكفة الدائرة على غير مستوى، المتقلّبة كل ساعة، هو الجريرة التي لا ينبغي تكرارها، لأن فتح بحاجة إلى قيادة يتمتّع أفرادها بقدرة على التفكير والإخلاص ونقاء اليد والتواصل والرؤية وإتقان اللغة العربية (صاحبة المروءة)، وغير المجروحة بعلاقة مبهمة أو ملوّثة بارتباطات أو إمكانيات ممجوجة ناتئة! أما إذا لم تتوفّر المساحة النقدية لمحاسبة المسؤولين عن كلّ هذا الإخفاق والضياع، فإن هذا يعني إعطاء الشرعية والمباركة لهم على كل ما اقترفوه بحق حركة فتح، وخطفها، وتوظيفها لمصالحهم الشخصية. كما يعني أن كادر فتح عاجز عن تأصيل مبدأ الثواب والعقاب، وأنه كادر مُستلب سهل الانقياد، يجعجع ولا يطحن، وأنه كباقي الدهماء والظواهر الصوتية الفاقعة المهزومة. أو أنّ الذين استفادوا من الحركة بوضعهم في هذا الموقع أو ذاك، هم الذين قد تحكّموا في كلّ شيء داخل الحركة، ولن يعود مكان للضمائر التي تصرخ بحسرة، من جرّاء هذا العنت والعبودية والخسران.
وقد لا أبالغ إذا قلت إن حالة البؤس التي تعيشها حالتنا الوطنية، ناتجة عن بؤس حركة فتح. وإنّ كلامي هذا لا يغفل الاستراتيجيات الاحتلالية القوية والمتواصلة، ودروها في تخريب ومحاصرة وتهديم الذات الحركية والفلسطينية، ولكن أسأل: أين دورنا في الردّ على غوائل الاحتلال، وخلق الفعل المتناغم والمناسب، والقادر على إبقاء حركتنا حاضرة ومتماسكة، وتمتلك عوامل الصدّ والثبات والإنهاض، وإشاعة الخَلْق والوحدة والطهارة والإيثار؟





