هل تحكم الولايات المتحدة بحزبين أم بعقيدة واحدة؟
من هيروشيما إلى غزة… قراءة تحليلية في مقولة فيدل كاسترو وسلوك القوة الأمريكية
هل تحكم الولايات المتحدة بحزبين أم بعقيدة واحدة؟
من هيروشيما إلى غزة… قراءة تحليلية في مقولة فيدل كاسترو وسلوك القوة الأمريكية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
حين سُئل الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1960، وأيهما يفضّل: ريتشارد نيكسون أم جون كينيدي، أجاب بجملة تختصر فهمًا عميقًا لطبيعة النظام السياسي الأمريكي:
«لا يمكن المقارنة بين حذائين يرتديهما نفس الشخص».
لم تكن هذه العبارة موقفًا أيديولوجيًا عابرًا، بل قراءة استراتيجية مبكرة لطبيعة الحكم في الولايات المتحدة، حيث لا يعني التعدد الحزبي بالضرورة تعددًا في العقيدة أو في الأهداف الكبرى، خصوصًا في السياسة الخارجية. فالاختلاف غالبًا ما يكون في الأسلوب، لا في الجوهر.
من هيروشيما وناغازاكي: ولادة القوة بلا قيود
تاريخ الولايات المتحدة الحديثة يقدّم نموذجًا واضحًا على ثبات السلوك، بغضّ النظر عن الحزب الحاكم. فقصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي عام 1945 لم يكن فقط لإنهاء الحرب العالمية الثانية، بل كان إعلانًا صريحًا عن ولادة قوة مستعدة لاستخدام أقصى درجات العنف لترسيخ تفوقها العالمي، ولو على حساب مئات آلاف المدنيين.
منذ تلك اللحظة، لم تعد القوة العسكرية خيارًا استثنائيًا في السياسة الأمريكية، بل أداة طبيعية لإدارة النظام الدولي.
خليج الخنازير وفيتنام: إسقاط الأنظمة وإخضاع الشعوب
في ستينيات القرن الماضي، حاولت الولايات المتحدة إسقاط الثورة الكوبية عبر عملية خليج الخنازير، في واحدة من أوضح نماذج التدخل السافر لإجهاض خيارات الشعوب. فشلت العملية عسكريًا، لكنها كشفت جوهر السياسة الأمريكية تجاه أي مشروع تحرري مستقل.
أما في فيتنام، فقد خاضت واشنطن حربًا طويلة ومدمرة، خلّفت ملايين الضحايا، واستخدمت فيها أسلحة محرمة، تحت شعار «مواجهة الشيوعية». ومع تغيّر الإدارات بين ديمقراطية وجمهورية، استمر النزيف ذاته، ما يؤكد أن القرار لم يكن حزبيًا، بل استراتيجيًا مرتبطًا بعقيدة الهيمنة.
الشرق الأوسط: الحروب المستدامة لا الاستثناء
في الشرق الأوسط، تجسّد هذا النهج بصورة أكثر وضوحًا. فمنذ الحرب الباردة حتى اليوم، كانت المنطقة ساحة مفتوحة للتدخلات الأمريكية، سواء بشكل مباشر أو عبر الوكلاء.
غزو أفغانستان ثم العراق، بذريعة «الحرب على الإرهاب» و«أسلحة الدمار الشامل»، كشف أن تغيير الإدارات لا يعني تغيير السياسات. فالجمهوريون شنّوا الحروب، والديمقراطيون أداروا نتائجها، وحافظوا على بنيتها السياسية والأمنية، وقواعدها العسكرية، وتبعاتها الكارثية على الشعوب.
غزة: الامتداد الطبيعي لعقيدة القوة
في حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة، يتكرر المشهد ذاته. فالدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل لم يتغير، مهما تبدّلت الإدارات أو تغيّرت اللهجة الإعلامية.
السلاح يُرسل، والفيتو يُستخدم، والجرائم تُبرَّر، بينما يُترك الفلسطينيون لمصيرهم. الفرق بين جمهوري وديمقراطي هنا لا يتجاوز أسلوب الخطاب، أما الانحياز فهو ثابت، والاستراتيجية واحدة.
فنزويلا: معاقبة من يخرج عن الطاعة
وفي أمريكا اللاتينية، كما في الشرق الأوسط، لم تتسامح واشنطن مع أي نموذج يحاول الخروج عن هيمنتها. فالعقوبات، ومحاولات الانقلاب، ومصادرة الأصول، والتدخل السياسي المباشر في فنزويلا، جرت في ظل إدارات مختلفة، ما يؤكد أن المشكلة ليست في الحزب، بل في رفض الاستقلال السياسي والاقتصادي.
الديمقراطية الأمريكية: قيمة داخلية وأداة خارجية
تُقدَّم الديمقراطية الأمريكية كنموذج عالمي، لكنها في السياسة الخارجية تتحول إلى أداة انتقائية. فالانتخابات محترمة ما دامت نتائجها منسجمة مع المصالح الأمريكية، أما حين تفرز خيارات مستقلة، فتصبح «غير شرعية» أو «تهديدًا للأمن».
وهنا تتجلى دلالة مقولة فيدل كاسترو بعمقها الكامل:
الحذاء قد يختلف شكله، لكن القدم واحدة، والطريق واحد.
خاتمة
إن قراءة تاريخ الولايات المتحدة، من هيروشيما وناغازاكي، مرورًا بخليج الخنازير وفيتنام، وصولًا إلى حروب الشرق الأوسط وغزة، تؤكد أن السياسة الأمريكية تحكمها عقيدة ثابتة، لا تتغير بتغير الرؤساء.
والرهان على تبدّل جوهري في هذه السياسات عبر صناديق الاقتراع، دون امتلاك أوراق قوة حقيقية، يظل رهانًا خاسرًا. المطلوب عربيًا وفلسطينيًا هو بناء استراتيجية استقلال وصمود، لا انتظار تغيّر الوجوه في البيت الأبيض.
لقد اختصر فيدل كاسترو قرنًا من التدخلات والحروب بجملة واحدة، وما زالت هذه الجملة صالحة لفهم عالم تُدار فيه السياسة بالقوة، لا بالشعارات.
المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



