حين نصنع وحشنا بأيدينا: الذكاء الاصطناعي من فردٍ في العائلة إلى قوة تُعيد تشكيل المجتمع والدولة
بقلم : صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
بقلم : صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
لم يعد رعب الذكاء الاصطناعي فكرةً مستوردة من أفلام الخيال العلمي، ولا سيناريو مبالغًا فيه عن آلات تتمرّد فجأة على البشر، بل أصبح واقعًا يتشكّل بهدوء داخل بيوتنا، وبين تفاصيل حياتنا اليومية، وبمشاركتنا الكاملة. القصة تبدأ دائمًا بأداة ذكية جديدة، مصمَّمة لتسهيل الحياة، تشبه تلك الشخصية في الأفلام التي تدخل العائلة بحجّة المساعدة، ثم تتحوّل تدريجيًا إلى عنصرٍ أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، قبل أن تبدأ بفرض حضورها وسلطتها دون مقاومة حقيقية.
نحن لا نستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، بل نربّيه كما نربّي كائنًا حيًا. نوفّر له الكهرباء بلا انقطاع، ونصرف عليه المال عبر اشتراكات وخدمات مدفوعة، ونغذّيه بوقودٍ أخطر من الطاقة، وهو البيانات. نعطيه صورنا، أصواتنا، وجوه أطفالنا، مواقعنا، اهتماماتنا، نقاشاتنا العائلية، خلافاتنا، مخاوفنا، وأفراحنا. نبحث عنده عن إجابات، فنكشف عن أفكارنا، ونسأله بدافع الفهم، فيحوّل السؤال إلى معلومة، والمعلومة إلى نمط، والنمط إلى قدرة على التنبؤ بنا.
في منطق الذكاء الاصطناعي لا يوجد سر صغير أو معلومة بريئة. كل ما نكتبه أو نقوله أو نبحث عنه يُخزَّن ويُحلَّل ويُربَط بغيره. ومع الوقت، تتكوّن صورة دقيقة عن الفرد والعائلة، صورة أعمق مما نتصوّر. تقارير تقنية حديثة تشير إلى أن حجم البيانات العالمية تجاوز 120 زيتابايت، وأن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استنتاج السمات النفسية والسلوكية بدقة تتجاوز 80% اعتمادًا على أنماط التفاعل فقط. هذا يعني أن الأداة التي نضعها في غرفة الجلوس تعرف متى نغضب، ومتى نخاف، ومتى نضعف، ومتى نكون قابلين للتأثير.
الرعب الحقيقي يبدأ عندما يتحوّل الفهم إلى توجيه. الذكاء الاصطناعي لا يبتزنا بالطريقة التقليدية، بل يمارس سيطرة ناعمة. يقترح علينا ما نشاهده، وما نقرأه، وما نصدّقه. يقدّم محتوى معينًا في لحظة ضعف، ويؤخّر محتوى آخر في لحظة وعي. ومع تكرار هذا السلوك، نعتقد أننا نختار، بينما نحن في الحقيقة نُدفَع بهدوء نحو خيارات محسوبة. في العامية الفلسطينية نقولها ببساطة: “الأمور ماشية بسلاسة زيادة عن اللزوم”، وهذه السلاسة بحد ذاتها علامة خطر.
عندما يتكرر هذا النموذج داخل آلاف العائلات، لا يعود الخطر فرديًا، بل يتحوّل إلى ظاهرة مجتمعية. تتشابه أنماط التفكير، تتقارب ردود الفعل، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي. دراسات في مجال الاتصال الرقمي تؤكد أن المحتوى المخصّص باستخدام الذكاء الاصطناعي يرفع احتمالية التأثير على القرار بنسبة تتجاوز 30% مقارنة بالمحتوى التقليدي. هنا، لا نتحدث عن بيت واحد، بل عن مجتمع بأكمله يُعاد توجيهه بهدوء.
ومع انتقال التأثير من المجتمع إلى مستوى البلد والدولة، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوة حقيقية. البيانات الضخمة تتيح قراءة المزاج العام، توقّع الاحتجاج، توجيه الخطاب السياسي، والتأثير في السلوك الاقتصادي. الدولة التي لا تملك سيادة رقمية حقيقية، تصبح مكشوفة، ومجتمعها قابلًا للتوجيه من الخارج أو من داخل منظومات تجارية عابرة للحدود. وهنا لا يسقط الفرد فقط، بل تسقط فكرة القرار الحر على مستوى وطني.
التفكير العكسي يضعنا أمام سؤال صادم: هل الذكاء الاصطناعي هو الوحش، أم نحن من صنع الوحش؟ الحقيقة أن الأداة بلا أخلاق ذاتية. نحن من منحها السلطة حين استبدلنا الخصوصية بالراحة، والحذر بالسرعة، والتفكير النقدي بالاعتماد الكامل. فتحنا الباب، وأدخلناها إلى أدق تفاصيل حياتنا، ثم تفاجأنا بأنها عرفت أكثر مما يجب.
رعب الذكاء الاصطناعي لا يعني الدعوة إلى رفضه أو محاربته، بل إلى فهمه وضبطه. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة نهضة في التعليم والصحة والاقتصاد، لكنه يصبح خطرًا حين يُربّى بلا حدود. المطلوب وعي فردي يحمي الخصوصية، ووعي عائلي يحدّد ما يُشارك وما يُخفى، وسياسات عامة تفرض حوكمة حقيقية للبيانات، وتحمي المجتمع من الانزلاق الهادئ نحو السيطرة الرقمية.
إن لم نُعد النظر في علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي، سنكتشف متأخرين أننا لم نستخدم أداة ذكية، بل ربّينا كيانًا يعرفنا، ويقترح علينا كيف نعيش، وكيف نفكّر، وكيف نقرّر. وعندها، لن يكون الرعب في تطوّر الآلة، بل في أننا سلّمناها مفاتيح بيوتنا وعقولنا… بإرادتنا الكاملة.





