"الفلول الرقمية" والحكمة والحقائق!
بكر أبوبكر
"الفلول الرقمية" والحكمة والحقائق!
بكر أبوبكر
في عصر الهجوم الإعلامي الفضائي تضيع الحقيقة بين أطنان من ركام الاخبارالزائفة، وفي عصر الشابكة (انترنت) حيث السيول الجارفة للصورة الثابتة والمتحركة تستنزف العقول اللاهية، فإن القدرة على إدراك الحقائق تصبح حالة فردية، وواجب جماعي وحالة صعبة وقليلة فيما الانهيار تحت ضغط الركام والسيول المضللة يصبح كأنه "الحقيقة" المؤكدة!
إن أركان الاخبار المزيفة تأتي المستهلك العربي والفلسطيني من جهات سياسية، وأخرى غير سياسية منها مَن أدمن التلاعب وبث الإشاعات والتمتع بتنافر الناس لسوء طوية أو خدمة لأهداف فكرانية (أيديولوجية) او لمجرد تزجية الوقت والعبث أو الانجرار ضمن مساحة الاستهداف للمتحكم بالاعلام الالكتروني بشقه التقليدي والإجتماعي. ولك في مثال تداول الاخبار المتعلقة بالممثلين والمغنين ومن يسمون أنفسهم "المؤثرين" (بكثير منهم) وحياتهم الشخصية خير مثال في التداول بحيث تصبح القضية المطروحه من او عن هؤلاء لدى الناس ذات أولوية على قضايا أخرى سواء ذات طابع قومي او جماعي أو وطني أو فكري أو ديني.
استهلاك التوافه خسارة
1. في استهلاك أطنان الصورو الشرائط والأخبار المكتوبة سواء المهدفة أو المتحيزة، أو ذات التفاهة العالية التي تخاطب الشهوات بغالبها عند كثير من مستخدمي الوسائط (تكتك، فيسبوك، اكس، انستغرام...) إهدار للوقت أولًا
2. وإهدار لطاقات العقل ثانيًا التي كان من المتوجب أن تتوجه للمفيد والهادف والمحقق للمتعة والتواصل المحمود.
3. كما أنها ثالثًا بتكرار تداولها تعمق الجهالة من حيث الثقة بلا مصدر له أو مرجعية
4. وما يؤثر في فساد النفس والطوية التي تتقولب وتتنمط رابعًا فتصبح أسيرة المصدر المؤثر عليها
5. لتتحول خامسًا الى آلة بلا عقل تستقبل وتعيد إرسال وترويج ما تراه أو تقرأه دون تمحيص او فلترة أو إعمال العقل الذي أمرنا به الخالق عز وجل
6. فيضيع الانسان بإرادته المنسحقة تحت وقع أقدام الطغاة على وسائط التواصل الاجتماعي ويخسر المجتمع روحه الجمعية وقضاياه العامة والجامعة حين يخسر أفراده المستهلكون بالتوافه.
ومما لا شك فيه إن الإغراق بالانحياز لطرف (فكراني/أيديولوجي، سياسي، تجاري،...) يؤسس للاندراج في لحظته الفاسدة التي تسوّغ الكذب على الناس لما يحقق فائدة الجهة، بل وتجد تبريرًا من (الإمعات-بوصف سيد الخلق) أو(الهمج الرعاع) بوصف علي بن أبي طالب، وهم المستهلكون للمتداول أو الرائج (trend) على أنه حقيقة لا يرقى اليها الشك.
الذكاء والحكمة والتنخيل
السير وراء ألغام "وسائط التواصل الاجتماعي" هو كسير السياسي بين الأشواك أو الألغام التي سرعان من تنفجر في وجه الشخص عندما يفتقد العقل النقدي وحالة التوجس والشك وحسّ الخطر، فتطيح بكل ما تراكب في رأسه من مفاهيم، وهي حقل ألغام ثقافي فكري يطيح بالشخص ويؤذي مصداقيته، كما قد يؤذي مسيرته فيخرج من ربقة الأذكياء الحكماء الى ربقة الحشود أو الفلول الرقمية، أو الإمعات الذين يحسنون ما أحسن الناس (أو الوسائط) او يسيئون متى ما أساءت، أي ببساطة بلا عقل ولا تفكر ولا تأمل.
النضالية والإسرائيلي والعصر الرقمي
في الحالة العربية الفلسطينية النضالية وكذلك في مساحة الأمة (الكثيرون يسخرون اليوم من مصطلح الامة العربية أو الاسلامية وكل عوامل جمعها الخالدة؟!) تجد من عوامل التأثير بالزيف الخارجي والداخلي أركان في هذه الدولة وتلك عبر
• من يروّج للعولمة المنصاعة للاجنبي بكل شيء، والعصر الرقمي بقتل روح الأمة الجماعية والمتميزة عن الامم غيرها، أو الشعب الموحد.
• وبقتل استخدام اللغة العربية الأنيقة بسوء تكرار استخدامه للمصطلحات الاجنبية (بفخر وكأنه قد اصطاد غزالًا، أو كسب كأسًا رياضيًا، أوحقق نصرًا مؤزرًا)
• وبضربه لمفاهيم الجوامع الكثيرة في الامة،
• بل وبسعيه لترويج رواية الغربي (بل والإسرائيلي أيضًا) المهيمن وكأنها قدر.
وفي الاتجاه الآخر تجد من ينساقون بلا وعي لكل ما سبق أو يتداولونه بحسن نية أو هبل، بمثال لطالما ذكرناه في حالتنا وهو :
• إعادة استخدام المصطلحات الصهيونية والمفردات التي تخص النضال الفلسطيني
• وتعلي من قيمة الإسرائيلي بالقدرة الكبيرة على اختلاقه للمصطلح ونشره
• أنظر مصطلح "اشتباك" بين الإسرائيلين والفلسطينيين الذي يوجي بتساوي القوة
• وأنظر مصطلح "عملية عسكرية" وما هو الا عدوان على شعب آمن
• وأنظر مصطلح "إرهابي" للفلسطيني الذي يتظاهر او يُشَك أنه سيلقي حجرًا مقابل "مثيري الشغب" من القتلة الإرهابيين المستخربين (المستعمرين) الإسرائيلييين
• وأنظر "حرب غزة" فيما هي عدوان فاشي إبادي لم يحصل مثله بالتاريخ الحديث، وهو العدوان الذي لم تتساوي فيه القوة قط بين قوة مفرطة داهمة وشعب تحت نيران لا تتوقف وبضعة مسلحين بأضعف أنواع الأسلحة المادية وهكذا من مصطلحات
• ومنها تلك المسميات التي يطلقونها في غزة مثلًا مثل مصطلح "خط فيلادلفيا" وهو بالحقيقة خط او محور صلاح الدين، وغيره من المصطلحات والمسميات سواء بالضفة او الداخل أيضًا التي غيرت معالم البلاد
• بل والوعي الفلسطيني الذي أخذ يرددها (حتى في وسائل الاعلام الرسمية وغير الرسمية) وكأنها هي الحقيقة مقابل الاكاذيب الإسرائيلية المستند بغالبها لأساطير التوراة وخرافاتها.
خاتمة:
إن المتابع الذكي والحكيم والحصيف هو الذي يضيف لثقافته الأساسية بالقراءة العميقة، والتجارب ذات الدرس والمراجعات، والتأمل والنقد والإبداع والتفكر، وحسن اختيار الوسائل او المواقع او المنصات (التي يستهلكها) ميزة استخدام العقل والركون للحدس التشككي والتمحيص والتدقيق والاستكشاف للحقائق من بين أكوام الزيف التي تهطل يوميًا على كافة مواقع التواصل الاجتماعي التي قد تطيح بقوي الشكيمة، فما بالك بالمنخرطين طواعية وكسلًا او جهلًا بصف الزيف، وتعلي من قيمة المثير الفاسد أمام القيّم والثمين المتماسك.



