"حين تُصوِّب الحكمة مسار الإنسان"

قراءة نقدية في كتاب “بوصلة العظماء للكاتب القاضي غسان الرجبي" بعنوان: (بين الأدب التحفيزي والخطاب القيمي العميق)

يناير 4, 2026 - 12:46
"حين تُصوِّب الحكمة مسار الإنسان"
"حين تُصوِّب الحكمة مسار الإنسان"
قراءة نقدية في كتاب “بوصلة العظماء للكاتب القاضي غسان الرجبي" بعنوان: 
(بين الأدب التحفيزي والخطاب القيمي العميق)
⸻⸻
بقلم : د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة 
⸻⸻
أولاً : مدخل إلى النص – هوية الكتاب وسياقه
ينتمي كتاب “بوصلة العظماء” إلى منطقة وسطى قلّما يُحسن كثيرون الإقامة فيها: منطقة التماس بين الأدب التأملي والخطاب التحفيزي القيمي. فهو ليس كتاب وعظ تقليدي، ولا مجموعة مقالات نفسية مباشرة، بل مشروع فكري يسعى إلى إعادة ضبط “البوصلة الداخلية” للإنسان في زمن يصفه المؤلف – بدقة – بزمن الضياع والعبث.
منذ الإهداء، يعلن النص عن انحيازه الواضح للإنسان الذي يتشكّل عبر الألم، لا ذاك الذي يهرب منه، ويؤسس بذلك لعلاقة عضوية بين المعاناة والوعي، وهي ثيمة مركزية تتكرر بأشكال متعددة في مجمل الكتاب  .
ثانياً: الرؤية الفكرية – فلسفة العظمة لا بطولية الزيف
العظمة في هذا الكتاب ليست حالة استثنائية ولا بطولة خارقة، بل حالة وعي دائم. يرفض المؤلف النموذج السائد للعظمة بوصفها صعوداً سريعاً أو إنجازاً لامعاً، ويستبدله بنموذج أخلاقي إنساني يقوم على:
• الاتزان
• المحاسبة الذاتية
• قراءة الداخل قبل إدانة الخارج
• تحويل الألم إلى طاقة نضج
في قصة الخباز وبائع الزبدة، لا يقدّم الكاتب حكاية أخلاقية مسطّحة، بل يعري أزمة الإنصاف بوصفها أزمة رؤية، حيث يختل الميزان الداخلي قبل أن يختل ميزان العدالة الاجتماعية  .
وهنا تتجلى إحدى أهم أطروحات الكتاب:
المشكلة ليست دائماً في الآخرين، بل في زاوية نظرنا القاصرة  .
ثالثاً: البنية السردية – المقال الحكمي بوصفه وحدة فكرية
يعتمد الكتاب على بنية المقال التأملي القصصي، حيث تشكّل كل مقالة وقفة مستقلة، لكنها تصب في نهر فكري واحد.
وتُبنى المقالات وفق نسق شبه ثابت:
1. قصة رمزية أو موقف تاريخي
2. تفكيك دلالي للحادثة
3. إسقاط فلسفي على الواقع الإنساني المعاصر
4. خلاصة توجيهية لا تتورط في الوعظ المباشر
هذا البناء يمنح النص سلاسة قرائية، ويجعل القارئ شريكاً في الاستنتاج لا متلقياً سلبياً. ويُحسب للمؤلف أنه لا يفرض “النتيجة”، بل يقود القارئ إليها عبر التأمل.
رابعاً : اللغة والأسلوب – بين البساطة والعمق
لغة الكتاب واضحة، غير متكلّفة، لكنها ليست سطحية. إنها لغة الاقتصاد الدلالي، حيث تُحمَّل الجملة الواحدة أكثر من طبقة معنوية، كما في عبارة:
“القشة الصغيرة قد تكون القاصمة دائمًا”  
يستخدم الكاتب:
• الجملة القصيرة المكثفة
• الاستعارة القريبة من الذهن
• الإيقاع الهادئ الخالي من الزخرفة
غير أن هذه البساطة، في بعض المواضع، تقترب من الخطاب الوعظي، وهو ما قد يُعدّ مأخذًا نقديًا إذا ما قيس النص بمقاييس الأدب الخالص، لا الأدب القيمي التوجيهي.
خامساً: التناص والمرجعية – حكمة إنسانية عابرة للثقافات
يحضر التناص في الكتاب بوصفه تناصاً فكرياً لا استعراضياً؛ من دوستويفسكي، إلى أناتول فرانس، إلى الحِكم الدينية والقصص التراثية.
هذا التناص لا يأتي لتزيين النص، بل ليؤكد أن العظمة سؤال إنساني مشترك، لا حكراً على ثقافة أو زمن  .
سادساً : البعد القيمي – الإنسان محور البوصلة
أهم ما يميّز الكتاب هو مركزية الإنسان المسؤول:
• المسؤول عن مشاعره
• عن ردود فعله
• عن كلماته
• وعن علاقاته
في “التقارب المدروس”، يستعيد الكاتب قصة القنافذ ليؤسس فلسفة متزنة للعلاقات الإنسانية، لا تقوم على الانغلاق ولا على الذوبان، بل على وعي الحدود  .
سابعاً: الأثر والتلقي – كتاب يُقرأ ببطء
“بوصلة العظماء” ليس كتاباً يُقرأ دفعة واحدة، بل كتاب مرافقة.
كتاب يصلح لأن يكون:
• رفيق تأمل
• دليل مراجعة ذاتية
• مرآة أخلاقية في لحظات الالتباس
وهو في ذلك ينجح في تحقيق غايته الأساسية: إعادة توجيه السؤال من الخارج إلى الداخل.
ثامناً: ملاحظات نقدية (بمنهجية علمية)
نقاط القوة:
• وضوح الرؤية
• انسجام البنية
• صدق الخطاب
• توظيف ناجح للقصص الرمزية
نقاط قابلة للتطوير:
• الميل أحيانًا للتقرير المباشر
• غلبة البعد القيمي على الجمالي في بعض المقاطع
• الحاجة إلى تنويع أكبر في الأساليب البلاغية
خاتمة:
“بوصلة العظماء” ليس كتاباً عن النجاح، بل عن الاستقامة الداخلية.
هو نص يذكّرنا بأن العظمة لا تُقاس بما نملكه، بل بما لا نفقده ونحن نعبر العواصف:
نقاء الجوهر، وصلابة القيم، وصدق الرحلة.