صورة مقلقة تتكشف حول المتهم بإطلاق النار على عناصر الحرس الوطني في واشنطن

ديسمبر 2, 2025 - 10:28
صورة مقلقة تتكشف حول المتهم بإطلاق النار على عناصر الحرس الوطني في واشنطن

مع مرور الأيام على حادثة إطلاق النار التي هزّت العاصمة الأميركية واشنطن في 26 تشرين الثاني الماضي، بدأت تتكشف صورة مقلقة ومعقدة حول الرجل المتهم بتنفيذ الهجوم: رحمن الله لاكانوال، الشاب الأفغاني الذي لم يكن بالنسبة للولايات المتحدة مجرد لاجئ أو مهاجر جديد، بل أحد العناصر الحساسة التي اعتمدت عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) خلال أطول حروبها. ومع ذلك، فإن المسار الذي قاده من ساحات العمليات في أفغانستان إلى زنزانته الحالية في واشنطن، يكشف عن فجوة قاتلة بين ما خدمه في الماضي وبين الدعم الذي افتقده في الحاضر.

لاكانوال، البالغ 29 عاماً، خدم في وحدات الصفر التابعة للـCIA، وتحديداً ضمن القوة الضاربة في قندهار (الوحدة 3 / Unit 03)، وهي وحدة نخبوية شاركت في عمليات ليلية دقيقة ضد طالبان والقاعدة. كان أفراد هذه الوحدة يخضعون لبرامج اختيار صارمة وتدقيق أمني معقّد، ما جعلهم من "الأصول البشرية عالية القيمة" بالنسبة للمخابرات الأميركية. ورغم هذا المستوى من التدقيق، فإن المعلومات الواردة من محيطه في الولايات المتحدة تشير إلى أن الرجل بدأ منذ 2022 يعاني تدهوراً نفسياً واضحاً وصامتاً.

وعلى مدى شهور، عاش لاكانوال حالة من الانسحاب الاجتماعي، ونوبات اكتئاب عميقة، وعزلة شبه كاملة داخل شقته. وتقول مصادر على اطلاع بملفه إنه كان يمضي أسابيع دون تواصل مع أحد، ويظهر "تَعَباً داخلياً" يشبه صدمة ما بعد الحرب PTSD، لكنها لم تُشخّص ولم تُعالَج. بل إن إحدى الوكالات المكلّفة بدعم الصحة النفسية للأفغان حاولت التواصل معه في شهر كانون الثاني من عام 2024 بعد أن وردتها مؤشرات مقلقة، لكنه رفض استقبال الفريق، في خطوة فسّرها البعض بأنها نتيجة الشعور بالعار أو الخوف من "وصمة الضعف".

الحادثة التي وقعت في واشنطن أسفرت عن مقتل الجندية سارة بيكستروم (20 عاماً) وإصابة الرقيب أندرو وولف (24 عاماً) بجروح خطيرة، بعد أن أطلق لاكانوال النار عليهما من مسدس على مسافة قريبة. وتشير التحقيقات الأولية إلى عدم وجود دافع سياسي أو ارتباط بجهة خارجية. التركيز كله يتجه نحو حالته النفسية المعقدة خلال الأشهر الأخيرة.

غير أن هذه الحالة الفردية تكشف في الواقع مشكلة أعمق. فهي تُبرز فجوة خطيرة بين التدقيق الأمني الصارم الذي خضع له عناصر الوحدات الخاصة، وبين غياب أي متابعة نفسية أو اجتماعية جدية بعد وصولهم إلى الولايات المتحدة. فالأجهزة الأميركية ركّزت، على مدى سنوات، على قدرة هؤلاء على تنفيذ المهام وتحمل الضغط في ساحة المعركة، لكنها لم توفر لهم مساراً للتعامل مع إرث الصدمة أو التحول الجذري في حياتهم بعد مغادرتهم أفغانستان. ما ظهر لاحقاً هو أن التدقيق الأمني، مهما كان دقيقاً، لا يكشف ولا يعالج الانهيار النفسي البطيء.

إلى جانب ذلك، يُسلّط مسار لاكانوال الضوء على أزمة تفكّك الهوية التي يعانيها كثير من أفراد الوحدات الخاصة بعد الهجرة. فهؤلاء الرجال، الذين كانوا يتحركون في عالم تُمنح لهم فيه صلاحيات واسعة، ويتعاملون مع الأميركيين كحلفاء مباشرين ويُنظر إليهم بوصفهم لاعبين أساسيين، يجدون أنفسهم في الولايات المتحدة أمام واقع مختلف تماماً: وظائف مؤقتة، صعوبات لغوية، تحديات اقتصادية، وشعور فجّ بالخسارة. بالنسبة للبعض، لا يعني الخروج من ساحة الحرب نهاية الصراع، بل بداية صراع داخلي أشدّ قسوة.

وتتجاوز تداعيات القضية البعد الفردي لتصل إلى مستوى سياسي حساس. فقد أعلنت الحكومة الأميركية تعليقاً مؤقتاً لعمليات مراجعة ملفات آلاف الأفغان الذين ينتظرون البت في طلباتهم ضمن برامج المساعدة الخاصة بالحلفاء. هذا التحرك أثار قلقاً واسعاً بين "الجماعات المناصرة"، التي ترى أن تفسير الحادثة باعتبارها "فشلاً جماعياً" سيؤدي إلى وصم مجتمع كامل وإلى تراجع في الالتزامات الأميركية تجاه أولئك الذين خاطروا بحياتهم إلى جانبها.

وبحسب الخبراء، فإن الحادثة ليست مجرد ملف جنائي عابر. بل مسألة تطرح أسئلة مؤلمة حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الأشخاص الذين كانوا في يوم من الأيام خط الدفاع الأول عنها. كما تؤكد أن تجاهل الاضطرابات النفسية لدى المقاتلين السابقين—خصوصاً أولئك الذين انتُزعوا من بيئاتهم ثم تُركوا يواجهون صدماتهم وحدهم—قد يخلق ثغرات خطيرة، ليس فقط لهم بل للمجتمع بأسره.

ورغم أن التحقيقات لم تُجب بعد عن كل الأسئلة، فإن القضية تذكّر بحقيقة باتت واضحة: الانهيار النفسي لدى القوات الأميركية العائدة ، والذين عملوا معهم لسنوات طويلة في عمليات قتل جماعي في أفغانستان قد يكون قصة صامتة، لكنه قادر على الانفجار بأشكال مأساوية.