القدس تُبتلع بصمت والضفة تُقمع بضجيج … وغزة الجرح المفتوح!
أمين الحاج
أمين الحاج
ما يجري في الضفة الغربية اليوم لم يعد مجرد حملة أمنية ولا رد فعل عابر، بل هو إعادة صياغة شاملة لما تبقى من الوطن، وربما أشبه بما بات يعرف بـ"الحسم الهادئ"، او تحويل نظرية "حسم الصراع" التي بلورتها الصهيونية الدينية، من عقيدة لجماعة ذات حضور هامشي، الى عقيدة لدولة الاحتلال بكل مستوياتها ومؤسساتها.
ان اقتحامات طوباس وجنين وطولكرم، وحملات الاعتقال بالجملة، وإغلاق المؤسسات المدنية كما حدث مع "لجان العمل الزراعي" أمس في رام الله والخليل، وهي مؤسسة وطنية تعمل منذ عقود على تمكين المزارعين وحماية الأرض، ليست تفاصيل متناثرة، بل جزء من هجمة تستهدف المساحات التي ما زالت تمتلك القدرة على الصمود، وهجمة تسعى الى تفكيك النسيج الاجتماعي القادر على تنظيم ذاته، في ظل غياب سلطة شاخت قبل أوانها، او خرجت عمليا من معادلة الفعل.
توسع الاستيطان لا يجري كفعل موازٍ، بل كذراع مكملة لآلة الحرب، فالمستوطنون يتحركون على الشوارع الرئيسة، او بين المزارع، في مشهد صار جزءا من حياة الفلسطيني اليومية، ميليشيات منظمة تتحرك بحماية بندقية جيش الاحتلال، فيما تقارير دولية قليلة تلك التي ما زالت تلتفت لإرهابهم او تصاعده الى مستويات غير مسبوقة، وسط حماية مباشرة من الاحتلال، الذي يراهم قوة إضافية تسبق الجرافات وتمهد الطريق لفرض واقع جديد.
في جنين وطولكرم، يخطط الاحتلال لاقتلاع آلاف أشجار الزيتون، ومئات الدفيئات البلاستيكية، لخلق هامش أمني حول جدار الفصل العنصري، فيما تتعرض طوباس لتهديدات بتجريف مئات الدونمات الزراعية لشق وتوسيع طرق استيطانية، والهدف واضح، حتى وان لم يكن معلنا، عزل المدن الفلسطينية عن محيطها الزراعي، وتحويل القرى الفلسطينية الى جزر محاصرة، هذه ليست عمليات موضعية، بل هندسة جغرافية كاملة، تذكر بسلوك الاستعمار تاريخيا، عبر تحويل الارض الى خريطة تحت الطلب، لا كحيز طبيعي بحدوده وسكانه، بل كمساحة يجري اعادة تشكيلها وقطعها وتشويه معالمها بما يخدم مشروعه الاستيطاني.
وسط ذلك، تبدو القدس وكأنها خارج المشهد تماما، لا لأنها بعيدة، بل لان تهويدها اصبح يوميا، ويتجاوز قدرة الإعلام على رصده، فالهدم، وسحب الهويات، والسيطرة على الأحياء القديمة، وخنق أهلها يمضي دون ضجيج، وكأن الاحتلال نجح في تحويل ذلك إلى إجراء إداري قانوني، كأنك تملأ استمارة لا تهدم مدينة عمرها آلاف السنين، مدينة لشعب يحاول الاحتلال شطبه بقلم، والمشهد ذاته يتكرر حرفيا في الخليل، حيث التحولات التي كانت تصدم العالم سابقا، باتت خبرا عاديا لا يثير حتى الحد الأدنى من الغضب.
المعادلة لا تكتمل دون البعد الاقتصادي، احتجاز الأموال وقرصنتها ليس مجرد ابتزاز مالي، بل أداء استعماري مكتمل، يستهدف تقويض قدرة المجتمع الفلسطيني على الحياة اليومية، فأسواق الضفة تنكمش، والبطالة تتسع، والتجار يفلسون واحدا تلو الآخر نتيجة خنقهم اقتصاديا، فالاحتلال يدرك ان السيطرة على المال لا تقل اهمية عن السيطرة على الارض.
وفي قلب هذا الظلام، تأتي غزة لتكشف الوجه العاري لهذا المشروع، فبعد اكثر من عامين على تحويل الاحتلال القطاع الى مختبر مفتوح للقوة العمياء، حيث مئات الاف البشر محاصرون دون ماء او دواء او مأوى، ما جعلها اكثر من مجرد ساحة حرب؛ بل ساحة اختبار لمدى قدرته على كسر ارادة الفلسطيني، ومع ذلك، فان صمود اهلها فوق الركام، يثبت حدود قدرة هذا المشروع، مهما بدا متوحشا.
ما الذي يملكه الفلسطينيون اذا كانت السلطة خارج الفعل، والعالم خارج الوعي او الاهتمام؟ الاجابة ليست في المؤسسات الدولية ولا في البيانات، بل في الارض نفسها، فالتجارب السابقة اثبتت ان الشعوب كانت دوما قادرة على ابتكار ادوات تزيد من كلفة الاحتلال، تدعم صمود اهلها، وتثبّت وجودهم، ببناء شبكات دعم مجتمعية، مرنة، وقادرة على امتصاص الصدمات.
فالضفة اليوم ليست مجرد مسرح عمليات، بل ساحة صراع على شكل المستقبل، فالاحتلال، مهما امتلك من قوة عسكرية ودعم، وأفلت من المساءلة مؤقتا، لكنه لا يملك القدرة على إخفاء حقيقة واحدة؛ وهي، ان شعبا صمد تحت النار في غزة، ويحرث الارض بأظافره في الضفة، ويعض على القدس بالنواجذ، منتصر لا محالة !





