إرهاب المستوطنين.. من اعتداءات متفرقة إلى أداة لإعادة هندسة الضفة الغربية

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أكتوبر 4, 2026 - 12:38
إرهاب المستوطنين.. من اعتداءات متفرقة إلى أداة لإعادة هندسة الضفة الغربية

إرهاب المستوطنين.. من اعتداءات متفرقة إلى أداة لإعادة هندسة الضفة الغربية

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيداً متواصلاً في اعتداءات المستوطنين، في مشهد يتجاوز في دلالاته أعمال العنف الفردية، ويثير تساؤلات جدية حول ارتباط هذه الاعتداءات بمسار أوسع يستهدف الأرض الفلسطينية وطرقها وتواصلها الجغرافي والديموغرافي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مناطق رام الله ونابلس والأغوار ضمن بؤر ساخنة للاعتداءات، بالتزامن مع تحركات وإجراءات إسرائيلية تتعلق بالطرق والأراضي والبؤر الاستيطانية. وفي نهاية أيلول/سبتمبر تعرضت قرية جالود لهجوم واسع من مستوطنين، تخلله إحراق منازل ومركبات ووقوع إصابات، في وقت كانت فيه محاولة إعادة عائلة فلسطينية إلى منزلها تتم بمرافقة عسكرية.

وفي رام الله، يبرز ملف الطريق رقم 463، الذي يمر عبر المنطقة الحضرية لرام الله والبيرة، وسط تقارير إسرائيلية وفلسطينية عن تحركات لتهيئة الظروف لإعادة فتحه أمام حركة المستوطنين. ووفق معطيات فلسطينية منشورة، فإن إعادة فتح الطريق قد تؤدي إلى عزل ثماني قرى وحيين سكنيين كبيرين في شمال المنطقة الحضرية، وتزيد الضغط على طرق بديلة تعاني أصلاً من الازدحام.

ولا تنفصل قضية الطرق عن قضية الأرض. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، جرى تعديل حدود إعلان قديم لـ«أراضي الدولة» في أراضي جالود والمغير، بإضافة 193.93 دونماً إلى الإعلان الصادر عام 1984، مع إخراج 15.07 دونماً والإبقاء على 1433.85 دونماً دون تغيير، وفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

هذه التطورات تكشف نمطاً يستحق المتابعة: اعتداءات على السكان، وقيود على الحركة، وطرق جديدة أو معاد فتحها، وإعادة ترسيم حدود الأراضي، وتوسع للبؤر الاستيطانية. وعندما تتزامن هذه الأدوات في مناطق مترابطة جغرافياً، فإنها قد تؤدي عملياً إلى تفتيت المجال الفلسطيني وتحويل التواصل بين المدن والقرى إلى شبكة من الجيوب المنفصلة.

وتزداد خطورة ذلك في ظل استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، لأن السيطرة على الطرق لا تعني التحكم بحركة المركبات فقط، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تنظيم المجال الجغرافي وفق أولويات المشروع الاستيطاني، بما يضعف التواصل بين التجمعات الفلسطينية ويقيد فرص التنمية والتوسع العمراني.

ومن منظور القانون الدولي، فإن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تُعد أراضي محتلة، فيما يشكل الاستيطان الإسرائيلي فيها مخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية. كما أن سياسات الإخلاء القسري أو مصادرة الأراضي أو فرض قيود تمييزية على الحركة والسكن تثير مسؤوليات قانونية وسياسية لا يجوز تجاهلها.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة اعتداءات المستوطنين بعد وقوعها، وإنما التعامل مع جذور المشكلة: حماية السكان المدنيين، وقف التوسع الاستيطاني، منع تحويل الاعتداءات إلى وسيلة لفرض أمر واقع، وضمان وحدة الأرض الفلسطينية وتواصلها الجغرافي.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في حادثة منفردة، مهما كانت خطورتها، بل في تحول الاعتداءات والطرق والبؤر وإجراءات السيطرة على الأرض إلى منظومة متراكمة تعيد رسم الخريطة الفلسطينية على الأرض قبل أي تسوية سياسية. وهذه مسؤولية المجتمع الدولي، كما هي مسؤولية المؤسسات الفلسطينية والعربية، في الانتقال من رد الفعل إلى تحرك قانوني وسياسي أكثر فاعلية.