الوعي يظهر عند الاختبار حين تصبح المعرفة موقفا

محمد قاروط أبو رحمه

أكتوبر 4, 2026 - 12:38
الوعي يظهر عند الاختبار   حين تصبح المعرفة موقفا

 

الوعي يظهر عند الاختبار

حين تصبح المعرفة موقفا

محمد قاروط أبو رحمه

في الأوقات السهلة والعادية والروتينية، يظهر الوعي بكامل ابهته. اما في الظروف الصعبة علينا ان نراقب ونختبر: ماذا يفعل الانسان عندما يصبح ما يعرفه وما يدعو اليه مكلفا؟

في المواقف العادية قد يبدو الجميع متفقين على الصواب، وقد تكون القيم والمبادئ واضحة، وقد يكون الحديث عنها: سهل مقنع وممتع.  لكن الوعي يُختبر عندما تكون هناك كلفة او ثمن، ويظهر عندما يأتي الاختبار، عندما يصبح الالتزام بما نعرفه صعبا، أو عندما يتعارض الصواب مع مصلحة قريبة، أو راحة شخصية، أو خوف، أو ضغط اجتماعي. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تفعل عندما يصبح ما تعرفه وما تدعو له مكلفا؟

هل تتخلى عما تعرفه لأن ثمن الالتزام به أصبح مرتفعا؟ أم يبقى ما تعرفه حاضرا في قرارك، رغم الضغط والكلفة؟ هنا بالضبط يظهر الفرق بين المعرفة والوعي.

فالمعرفة قد تخبرني بما هو صحيح، وما هو خطأ وما بينهما، وما ينبغي أن أفعله، لكن الوعي يبدأ عندما يتحول هذا الإدراك والفهم إلى مرجعية تحكم اختياري.

ولهذا قد يعرف الإنسان الصواب، ثم يفعل خلافه، وقد يعرف العاقبة، ثم يختار الطريق الذي يقوده إليها، وقد يتحدث طويلا عن قيمة يؤمن بها، ثم يتخلى عنها عند أول اختبار حقيقي، فهل كان واعيا بها،

ربما كان يعرفها، لكنه لم يجعلها جزءا من اختياره.

مثال واقعي: عندما تصبح المصلحة مكلفة

تخيل موظفا كبيرا في مؤسسة عامة، جاء مسؤول جديد إلى للمؤسسة، وكان المسؤول الجديد معروفا بين العاملين بأنه كثير الوعود، لكنه غالبا لا يفي بما يعد به.

يعرض المسؤول على الموظف الكبير مجموعة من الوعود: تغييرات في الهيكلية، وتعديلات في سياسات العمل، ومنحه صلاحيات أو مزايا أو موقعا أكثر تأثيرا، مقابل أن يدعم توجهاته، ويشارك في تنفيذ التغييرات التي يريدها.

يعرف الموظف طبيعة المسؤول، ويعرف من تجربته وتجارب من سبقوه أن وعوده ليست بالضرورة التزاما يمكن الاعتماد عليه.  ومع ذلك، يوافق.

ويبدأ بالفعل في تغيير بعض الإجراءات، أو إعادة ترتيب الهيكلية، أو تعديل سياسات العمل، اعتمادا على الوعود التي تلقاها. ثم تمر الأيام. لا ينفذ المسؤول ما وعد به.

وهنا لا تعود المشكلة في أن الموظف لم يكن يعرف.

فهو كان يعرف طبيعة المسؤول، ويعرف سلوكه السابق، ويعرف أن الوعود الشخصية لا تكفي وحدها لاتخاذ قرارات تمس المؤسسة، لكن السؤال الحقيقي يصبح:

ماذا فعل بهذه المعرفة عندما أصبحت مصلحته مرتبطة بالوعد؟ كان يستطيع أن يقول لنفسه: لقد كنت أعرف أنه لا يفي بوعوده، لكنه لم يجعل ما يعرفه مرجعا لقراره، وهنا يظهر الفرق بين المعرفة والوعي.

فالمعرفة كانت موجودة؛ لكنه سمح للمصلحة أو الطموح أو الرغبة في الحصول على مكسب شخصي أن تتقدم عليها. ولو أن الموظف استخدم معرفته وخبرته في تقييم الوعد قبل أن يغيّر في هيكلية المؤسسة وسياساتها، لكان قد سأل: ما الذي أملكه فعلا من التزام مكتوب وصلاحية قانونية ومعطيات واقعية، وليس ما الذي يمكن أن أحصل عليه بوعد؟ وهنا تصبح المعرفة أداة لصناعة القرار، لا مجرد معلومة نعرفها ثم نتجاهلها.

فالوعي لا يعني أن تعرف أن المسؤول كثير الوعود فحسب؛ بل أن تجعل هذه المعرفة حاضرة في قرارك عندما تكون لديك مصلحة في تصديق الوعد، ومن هنا يمكن إعادة صياغة القاعدة:

المعرفة التي لا تدخل في صناعة القرار تبقى معلومة، والمعرفة التي توجه القرار تبدأ بالتحول إلى وعي. أما إذا عرف الإنسان المخاطر، ثم اتخذ قراره على أساس ما يتمنى أن يحدث لا على أساس ما يملكه فعلا من معطيات، فإن المشكلة ليست في نقص المعرفة، وإنما في عدم استخدام المعرفة عند الاختيار، وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق:

عندما تتعارض مصلحة الموظف مع مصلحة المؤسسة، أيهما تقود معرفته؟ هل يتخذ قراره بناء على ما يعرفه فعلا عن الشخص، والظروف، والمؤسسة، والبيئة؟ أم بناء على ما يتمنى الحصول عليه؟ هنا يظهر الوعي.

فالوعي ليس أن تعرف أن الوعد قد لا يتحقق، وإنما أن تجعل هذه المعرفة مؤثرة في قرارك قبل أن تدفع المؤسسة ثمن قرارك. ولهذا: في السهولة نعرف ما نقوله، وعند المصلحة الخاصة نعرف ما نختار، وعند الكلفة نعرف ما استقر فينا.

من هنا فان الوعي لا يظهر عندما تكون المعرفة مريحة، بل عندما تصبح مخالفتها أكثر إغراء من الالتزام بها.