قراءة في خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة
راسم عبيدات
راسم عبيدات
لا أخفيكم القول بأنني مللت متابعة خطابات الزعماء العرب في قممهم، سواء كانت عربية أو إسلامية أو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي كل عام تنعقد فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ينشط الإعلام العربي ومصفقو الأنظمة من إعلاميين ومحللين سياسيين وخبراء في الشؤون العربية والدولية وفي الشؤون الإسرائيلية، للقول بأننا أمام خطابات تاريخية، ستحمل تحولا نوعيا في المواقف العربية، نحو الانتقال من لغة الشعار واللعب على العواطف والمشاعر الجياشة للشعوب، إلى خطوات وآليات عملية، تحمل ترجمة لبيانات وشعارات تلك القمم وخطابات زعمائها، وفي النهاية تكتشف الجماهير العربية بأنه لا جديد في تلك الخطابات، وبياناتها الختامية تذهب إلى الأدراج والأرشيف ولا تغادر جدران قاعات القمم التي تعقد فيها.
وأنا كواحد من هؤلاء المواطنين مثلهم بت أشعر أن مضامين هذه الخطابات لا تخرج عن الديباجات والمضامين التي صارت لا تثير أي حماسة عند المواطن العربي والفلسطيني، فهي في أغلبها إنشاء مكرر، مناشدات ومطالبات للمجتمع الدولي وللمؤسسات الدولية بتحمل مسؤولياتها، في لجم دولة الاحتلال، ووقف اعتداءتها وقمعها وتنكيلها بحق الشعب الفلسطيني، ومطالبة بعدم ابقاء إسرائيل دولة فوق القانون الدولي، بل محاسبتها ومساءلتها عن خرقها الفاضح والسافر للقانون الدولي ودون رسم أية خطط عملية ووضع برامج وأليات لترجمة تلك القرارات إلى فعل في أرض الواقع حتى صار المواطن العربي يحفظ غبياً مخرجات تلك القمم، وفي المقدمة منها اللازمة المكررة، نشجب ونستنكر وندين وندين بأشد العبارات ما تقوم به إسرائيل من طرد وتهجير بحق الشعب الفلسطيني، وزرع المزيد من المستوطنات في الأرض الفلسطينية، وكذلك العمل على تغيير هوية ومكانة المسجد الأقصى، والسعي إلى العبور به من الزمن الإسلامي الخالص إلى الزمن اليهودي وتحويله إلى مقدس متعدد الأديان.
في هذه المرة وعلى ضوء المتغيرات الكبرى التي حصلت وتحصل في العالم والإقليم والمنطقة، وتراجع الثقة بأمريكا، التي كان النظام الرسمي العربي يعتقد بأنها تسعى وتعمل لإقامة سلام دائم في المنطقة، يجنبها المزيد من الصراعات وحالة عدم الاستقرار، رغم أن كل الوقائع والحقائق على الأرض والحروب التي شنتها إسرائيل على فلسطين وسوريا ولبنان واليمن والعراق وايرن، تقول بأن أمريكا شريك في تلك الحروب، وحليف استراتيجي ومتماهي مع إسرائيل، همه الأساس أمنها وتوسعها، وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن تكون رأس حربتها، في قمع وضرب أي نظام أو حركة مقاومة تخرج وتتمرد على الإرادة الأمريكية في المنطقة والإقليم.
نعم التداعيات التي حصلت في العالم والإقليم والمنطقة، وخاصة الحروب التي شنتها أمريكا على إيران في حزيران /2025 وشباط 2026، قالت بأن أمريكا همها الأساس أمن دولة الاحتلال،ووجودهاالعسكريوالأمني والإستخباري عبر قواعدها المنتشرة في الوطن العربي، لم تؤمن أي حماية لتلك الدول وتركتها لتواجه مصيرها لوحدها.
تلك التداعيات كان لها تأثيراتها الكبرى على قضيتنا الفلسطينية وأمتنا العربية، ولربما هي التي أحدثت تغيرا كبيرا في لغة وخطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة.
حجم التطورات والمتغيرات والتحديات والأخطار المحدقة بالعالم والإقليم والمنطقة وقضية شعبنا الفلسطيني جعلتني أتابع العديد من الكلمات ومنها كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني، والتي لا أخفيكم القول أعدت سماعها ما بين مصدق ومكذب في لغة الخطاب والتحول الكبير في اللغة والمقاربة، والتي اتسمت في غاية الوضوح والدقة، مبتعدة عن الكلام العام والمعلب من شعارات بيانات القمم العربية والإسلامية الطنانة والرنانة في إطارها العمومي، والتي باتت تصيب المواطن العربي والفلسطيني بحالة من الغثيان والقهر الداخلي. الكلمة أمسكت وبصورة محكمة بجوهر المعضلة والأزمة والمشكلة:- فلسطين.
لم تعد عمليات الخداع والتضليل والكذب والبروبوغندا التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفي المقدمة منها هذه الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في إسرائيل،بأنها راغبة في السلام وأن تكون جزءا من جغرافية هذه المنطقة، على قاعدة منح الشعب الفلسطيني حقوقه السياسية والوطنية، والاعتراف بدولته على جزء من أرض فلسطين التاريخية.
ما يجري ويحدث في أرض الواقع، قال بأن هذه الدولة السبب الرئيسي في حالة عدم الأمن والاستقرار في المنطقة والإقليم، فسياساتها ومشاريعها ومخططاتها قائمة على الطرد والتهجير والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، عبر سياسات الضم والتهويد والتوسع الإستيطاني، وبما يغير الواقع الجغرافي والديمغرافي في فلسطين التاريخية، وطمس ومحو الوجود العربي الفلسطيني فيها، ويربط هذه الأرض بروايات وسرديات زائفة، سرديات وروايات قائمة على نفي وجود شعب فلسطيني،ومحوه.
لقد قارب الملك بذكاء ودقة ووضوح طبيعة الصراع: فما يجري تنفيذه في السياق الزمني الطويل في غزة والضفة هي استراتيجية واحدة، اقتلاع وتشريد الشعب الفلسطيني، والمسألة هنا ليست مجرد انفلات بعض المستوطنين، بل سياسة دولة.
ما تحدث به الملك عبد الله الثاني كان جردة حساب واقعي وتاريخي ملموس، وليس مجرد مقاربات عائمة في فراغ اللغة والخطاب.
لهذا فإن ما سمعته وأحسست به في هذه الكلمة المحددة والمحكمة كان في الجوهر كلمة فلسطين.
نعم قد نختلف حول قضايا كثيرة، ولكن حين تكون فلسطين هي البوصلة، وحين تكون اللغة صادقة وواضحة، حينها يصبح الاختلاف أو التباين حول قضايا أخرى مسألة قابلة للنقاش. هنا يبقى السؤال: كيف نوفر الشروط ليتحول الحق إلى حقيقة!؟



