طولكرم ليست «7 أكتوبر» جديدة.. الجغرافيا لا تُختزل في خطاب الخوف
المحامي علي أبوحبلة
طولكرم ليست «7 أكتوبر» جديدة.. الجغرافيا لا تُختزل في خطاب الخوف
المحامي علي أبوحبلة
حين يقف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير قرب حاجز نيتساني عوز المحاذي لطولكرم، محذراً من احتمال تكرار هجوم السابع من أكتوبر، ومشيراً إلى قرب طولكرم من نتانيا وعيمق حيفر، فإنه يقدم المسألة باعتبارها معادلة أمنية وجغرافية مجردة. لكن التاريخ والجغرافيا والسياسة أكثر تعقيداً من هذه الصورة المختزلة.
طولكرم ليست مدينة ظهرت على الخريطة بوصفها «تهديداً» لإسرائيل؛ إنها مدينة فلسطينية تاريخية قائمة منذ ما قبل عام 1948، مثل غيرها من المدن والبلدات الفلسطينية التي تشكلت حولها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في هذه المنطقة.
كما أن المنطقة المحيطة بطولكرم ليست جغرافيا منفصلة عن تاريخ فلسطين الحديث. فقد كانت مدن وبلدات فلسطينية عديدة تقع على جانبي خطوط التماس التي نشأت عقب حرب عام 1948، ثم جاء خط الهدنة لعام 1949 ليعيد رسم الواقع الجغرافي والسياسي، قبل أن تقع الضفة الغربية، بما فيها طولكرم، تحت الاحتلال الإسرائيلي في حرب حزيران/يونيو 1967.
ومن هنا، فإن استخدام القرب الجغرافي بين طولكرم ونتانيا لتقديم المدينة باعتبارها منصة محتملة لإعادة إنتاج هجوم السابع من أكتوبر يحتاج إلى أكثر من مجرد الإشارة إلى المسافة. القرب الجغرافي حقيقة، لكنه لا يشكل بذاته دليلاً على وجود نية أو قدرة أو قرار بتنفيذ هجوم.
ومن حق الإسرائيليين أن يقلقوا على أمنهم، كما أن من حق الفلسطينيين أن يعيشوا في أمن وكرامة. لكن معالجة المخاوف الأمنية يجب أن تقوم على معلومات ووقائع وإجراءات قانونية، لا على تعميم الاتهام على مدينة بأكملها أو تحويل جغرافيتها إلى مصدر تهديد دائم.
والواقع الميداني أكثر تعقيداً مما يحاول خطاب بن غفير تصويره. فالسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية موجودة في طولكرم، وهناك ترتيبات أمنية وسياسية معروفة، فيما تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات واقتحامات داخل المدينة ومخيمي طولكرم ونور شمس. ولذلك فإن تصوير المدينة وكأنها منطقة خارجة عن أي منظومة أمنية أو أنها تمثل فراغاً يمكن أن ينطلق منه هجوم واسع، يتجاهل جزءاً أساسياً من الواقع.
أما الدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع قدراتها الأمنية، فإنها تستحق نقاشاً إسرائيلياً هادئاً: إذا جرى إضعاف المؤسسات الفلسطينية القائمة، فمن الذي سيتولى ملء الفراغ؟
هذه ليست مسألة فلسطينية فقط، بل سؤال أمني إسرائيلي أيضاً. فالفراغ الأمني لا يعني بالضرورة مزيداً من الأمن، وقد يؤدي في ظروف معينة إلى صعود قوى أكثر تشدداً، وإلى فقدان أي شريك مؤسسي يمكن التفاهم معه.
ولهذا فإن الرسالة إلى الإسرائيليين الواقعيين والمعتدلين واضحة: لا تسمحوا بتحويل الخوف إلى سياسة دائمة.
إن كنتم تريدون منع تكرار السابع من أكتوبر، فإن الطريق لا يكون بإعادة إنتاج الأسباب التي أبقت الصراع مفتوحاً لعقود، ولا بتوسيع الاستيطان، ولا بتغذية العنف، ولا بإضعاف المؤسسات الفلسطينية، ولا بتحويل مدن فلسطينية تاريخية مثل طولكرم إلى عناوين أمنية دائمة.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه داخل إسرائيل هو: هل يمكن تحقيق الأمن عبر إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، أم أن الأمن الحقيقي يحتاج في النهاية إلى حل سياسي؟
الفلسطينيون لا يطلبون أن يعيش الإسرائيليون في خوف، والإسرائيليون الواقعيون يعرفون أن الفلسطينيين لا يمكن أن يعيشوا إلى الأبد بلا أفق سياسي. وبين هذين الواقعين تقع مسؤولية تاريخية على أصحاب القرار في الجانبين.
وإذا كانت هناك رغبة إسرائيلية حقيقية في إنهاء دائرة العنف، فإن الخطوة الأولى ليست رفع سقف التهديد، وإنما العودة إلى السياسة: احترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وقف التوسع الاستيطاني، حماية المدنيين، الحفاظ على المؤسسات الفلسطينية، والعودة إلى مفاوضات جادة على أساس واضح يقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق دولتين تعيشان بأمن واستقرار.
طولكرم ليست «7 أكتوبر» أخرى، كما أن نتانيا ليست عنواناً دائماً للحرب. كلاهما مدن يسكنها بشر يريدون الحياة والأمن.
والجغرافيا التي تُستخدم اليوم لتخويف الناس يمكن أن تصبح غداً جسراً للتواصل والتعاون إذا توفرت الإرادة السياسية.
أما تحويل كل مدينة فلسطينية إلى «خطر أمني محتمل»، فلن يصنع لإسرائيل أمناً دائماً، كما أن استمرار الصراع لن يمنح الفلسطينيين حريتهم.
الأمن المستدام لا يصنعه الخوف وحده؛ تصنعه العدالة، والاعتراف بالحقوق، والحل السياسي القابل للحياة.



