الانتخابات التشريعية 2026.. استحقاق دستوري وتجديد للشرعية الوطنية

من جاهزية لجنة الانتخابات إلى مسؤولية القوى السياسية.. هل ننجح في إعادة الاعتبار لصوت المواطن؟

سبتمبر 21, 2026 - 17:12
الانتخابات التشريعية 2026.. استحقاق دستوري وتجديد للشرعية الوطنية

الانتخابات التشريعية 2026.. استحقاق دستوري وتجديد للشرعية الوطنية
من جاهزية لجنة الانتخابات إلى مسؤولية القوى السياسية.. هل ننجح في إعادة الاعتبار لصوت المواطن؟

بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم تعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة مجرد موعد انتخابي ينتظر اكتمال إجراءاته، بل أصبحت استحقاقًا دستوريًا ووطنيًا تتقاطع عنده مسألة الشرعية السياسية مع ضرورة إعادة بناء الحياة الديمقراطية الفلسطينية على أسس قانونية ومؤسسية.
ومع اقتراب السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر، موعد فتح باب الترشح، تدخل العملية الانتخابية مرحلة جديدة أكثر حساسية، وصولًا إلى يوم الاقتراع المقرر في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وفق الجدول الزمني الذي أعلنته لجنة الانتخابات المركزية استنادًا إلى المرسوم الرئاسي وقانون الانتخابات العامة رقم (1) لسنة 2007 وتعديلاته.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بانتخاب 132 عضوًا للمجلس التشريعي، وإنما بالسؤال الأوسع: كيف يمكن إعادة بناء الشرعية التمثيلية للمؤسسات الفلسطينية عبر صندوق الاقتراع؟
فالمجلس التشريعي ليس مجرد مؤسسة تشريعية بالمعنى الضيق، وإنما أحد أعمدة النظام السياسي الفلسطيني، وعودته المنتخبة تعني إعادة الاعتبار لمبدأ التمثيل الشعبي، وللفصل بين السلطات، وللدور الرقابي والتشريعي الذي لا يمكن أن تستقيم الحياة السياسية بدونه.
الانتخابات ليست إجراءً إداريًا
من الخطأ اختزال الانتخابات في إجراءات تسجيل وترشح ودعاية واقتراع وفرز. هذه الإجراءات مهمة، لكنها تمثل الجانب التنفيذي من العملية، بينما جوهر الانتخابات سياسي ودستوري: منح المواطن حق اختيار ممثليه وتجديد التفويض الشعبي للمؤسسات التي تتولى ممارسة السلطة باسمه.
ولهذا فإن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بفتح مراكز الاقتراع في موعدها، وإنما بمدى احترام القانون، وتكافؤ الفرص، وحرية الترشح والاختيار، وشفافية العملية، وحياد الإدارة الانتخابية، وقبول النتائج وفق الأطر القانونية والقضائية.
وقد حددت لجنة الانتخابات المدد القانونية بصورة واضحة؛ إذ يبدأ الترشح في 26 أيلول وينتهي في 7 تشرين الأول، وتنطلق الدعاية الانتخابية في 6 تشرين الثاني، فيما يجري الاقتراع العام في 28 تشرين الثاني، وتُعد النتائج الأولية خلال 48 ساعة، مع فتح باب الطعون أمام محكمة قضايا الانتخابات وفق المدد المحددة قانونًا.
وهذا التفصيل الزمني ليس مسألة شكلية، بل يمثل ضمانة أساسية لمنع الفراغ أو الارتجال أو التدخلات التي يمكن أن تمس سلامة العملية الانتخابية.
لجنة الانتخابات أمام مسؤولية تاريخية
في هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور الذي يقوم به رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمد الله، وبالجهد الذي تبذله اللجنة وطواقمها الفنية والإدارية في الإعداد لهذا الاستحقاق.
فاللجنة أعلنت استكمال جانب كبير من جاهزيتها الفنية والإدارية واللوجستية، وأكد الحمد الله التزامها بتنفيذ العملية وفق الجدول الزمني وبمعايير الاستقلالية والحياد والنزاهة والشفافية.
واللافت في إدارة المرحلة الحالية هو اتساع دائرة التواصل التي تنتهجها اللجنة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة. فقد التقى الحمد الله ممثلين عن المجتمع المدني، ومسؤولين فلسطينيين، وسفراء وممثلين دوليين، كما أطلع بعثة أممية على التحضيرات، وبحث مع الجانب الياباني والجانب الهولندي الاستعدادات والتحديات المحيطة بالعملية الانتخابية.
وهذا الانفتاح له أهميته، خصوصًا أن الانتخابات الفلسطينية لا تجري في ظروف طبيعية؛ فالقدس وقطاع غزة وحرية الحركة والوصول إلى مختلف المناطق تمثل تحديات فعلية أمام العملية الانتخابية، وقد وضعت اللجنة هذه الملفات في صلب اتصالاتها المحلية والدولية.
لكن الانفتاح الدولي والإقليمي يجب أن يبقى في إطاره الصحيح: دعم فني وسياسي ودبلوماسي للعملية الانتخابية، لا تدخلًا في القرار الفلسطيني أو في خيارات الناخبين.
فالانتخابات الفلسطينية يجب أن تكون فلسطينية القرار، مستقلة الإدارة، ومحكومة بالقانون، وأن يبقى الصندوق الانتخابي هو الفيصل.
ثلاثة ملايين ناخب أمام استحقاق مختلف
الأرقام المعلنة تكشف حجم الاستحقاق. فهناك نحو 2.97 مليون مواطن يحق لهم الاقتراع، بينهم 1.59 مليون في الضفة الغربية و1.24 مليون في قطاع غزة، إضافة إلى نحو 140 ألفًا من حملة الهوية المقدسية في القدس.
والأكثر أهمية أن 1.57 مليون ناخب تقل أعمارهم عن 38 عامًا، أي ما نسبته 53% من إجمالي أصحاب حق الاقتراع. وهذه شريحة واسعة لم تشارك في انتخابات تشريعية عامة منذ عقدين تقريبًا.
هؤلاء لا ينظرون إلى الانتخابات بوصفها استعادة لذكرى انتخابية قديمة، وإنما باعتبارها تجربة سياسية جديدة بالنسبة إليهم.
وهنا تقع مسؤولية القوى السياسية والقوائم والمرشحين: هل تقدم برامج حقيقية؟ هل تخاطب الشباب؟ هل تطرح حلولًا للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وهل تتحول الانتخابات إلى منافسة على البرامج والكفاءة، أم إلى إعادة إنتاج للخطاب التقليدي نفسه؟
تجديد الشرعية لا يعني إلغاء الماضي
من المهم التمييز بين تجديد الشرعية وبين إلغاء الشرعيات والمؤسسات القائمة.
الانتخابات التشريعية لا تعني تلقائيًا حل كل أزمات النظام السياسي الفلسطيني، ولا يمكن لصندوق الاقتراع وحده أن ينهي الانقسام أو الاحتلال أو الأزمة الاقتصادية أو الإشكالات الدستورية المتراكمة.
لكنها تستطيع أن تفتح بابًا مؤسسيًا لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وأن تمنح المجلس التشريعي المنتخب تفويضًا شعبيًا جديدًا، وتعيد للمساءلة والرقابة والتشريع مكانتها في الحياة السياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز بالمقاعد؟
بل: هل ستنجح الانتخابات في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة؟
القدس وغزة معيار شمولية الانتخابات
يبقى إجراء الانتخابات في القدس وقطاع غزة أحد أهم الاختبارات.
فالانتخابات التي تسعى إلى تجديد التمثيل الوطني لا يمكن فصلها عن شمول الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم داخل الأراضي الفلسطينية. وقد أكدت لجنة الانتخابات في اتصالاتها مع المسؤولين الفلسطينيين والدوليين ضرورة توفير الظروف التي تمكن المواطنين من المشاركة، مع التركيز على التحديات المتعلقة بالقدس وغزة والقيود المفروضة على الحركة والتنقل.
كما طلب الحمد الله من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مواصلة دعم الانتخابات والضغط لتسهيل عمل اللجنة وتمكينها من الوصول إلى مختلف المناطق.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: حق الفلسطيني في الانتخاب ليس منحة من أحد، وإنما حق سياسي وطني، وعلى المجتمع الدولي أن يساعد في حمايته لا أن يستبدل الإرادة الفلسطينية.
الصندوق هو مصدر التجديد
إن اقتراب فتح باب الترشح يضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها، كما يضع الناخب الفلسطيني أمام مسؤولية تاريخية في اختيار من يمثله.
أما لجنة الانتخابات، فقد أنجزت الجزء الأكبر من مهمتها الفنية، ويبقى عليها أن تحافظ حتى اللحظة الأخيرة على استقلاليتها وحيادها، وأن تتعامل مع جميع القوائم والمرشحين وفق قاعدة واحدة: القانون.
وفي المقابل، فإن المطلوب من القوى السياسية احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، ومن المرشحين الالتزام بالقانون، ومن المجتمع المدني ممارسة دوره الرقابي، ومن الإعلام أن يكون مساحة للتنافس السياسي المسؤول لا منصة للتشهير والتضليل.
إن الانتخابات التشريعية 2026 ليست مجرد عملية اقتراع؛ إنها اختبار لإمكانية استعادة الحياة الدستورية والمؤسسية، وتجديد التفويض الشعبي، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الشعب هو مصدر الشرعية.
والإشادة بالدكتور رامي الحمد الله لا تأتي من موقع شخصي، وإنما تقديرًا للدور الذي تؤديه لجنة الانتخابات في هذه المرحلة الحساسة، ولجهود الانفتاح والتواصل مع الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية والإقليمية ذات الصلة، بهدف تذليل العقبات وضمان الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة وشاملة في موعدها المحدد. وتبقى قيمة هذا الدور مرتبطة باستمرار استقلالية اللجنة وحيادها حتى إعلان النتائج النهائية.
لقد حان وقت الانتقال من الحديث عن الانتخابات إلى الاستعداد الحقيقي لها.
ومن السادس والعشرين من أيلول يبدأ الاختبار الفعلي.
اختبار القانون، واختبار المؤسسات، واختبار القوى السياسية، واختبار الوعي الشعبي.
وفي الثامن والعشرين من تشرين الثاني، يجب أن يكون صوت المواطن الفلسطيني هو الصوت الأعلى.
فلا شرعية انتخابية بلا صندوق، ولا صندوق بلا حرية، ولا ديمقراطية بلا قانون، ولا تجديد للشرعية السياسية من دون احترام إرادة الناخب.