الإخطارات الأثرية في طولكرم: من تقييد الانتفاع إلى ابتلاع الأرض
الإخطارات الأثرية في طولكرم: من تقييد الانتفاع إلى ابتلاع الأرض
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الإخطارات الأثرية التي تصدرها سلطات الاحتلال في أراضي محافظة طولكرم، وغيرها من مناطق شمال الضفة الغربية، مسألة فنية مرتبطة بحماية مواقع أثرية فحسب، بل باتت تستوجب قراءة قانونية وسياسية أوسع، في ضوء آثارها المباشرة على ملكية الأرض وحق أصحابها في الانتفاع بها والبناء عليها واستثمارها.
وخلال فترة زمنية قصيرة، طالت الإخطارات أراضي في عزبة أبو بلال بإكتابا، ومقام بنات يعقوب في ارتاح، وتل قعدة في ضاحية كفا، في سياق يثير تساؤلات جدية حول الغاية النهائية من هذه الإجراءات، خصوصاً عندما تترافق مع قيود على البناء والزراعة والتطوير، وإمكانية إصدار أوامر وقف العمل أو الهدم بحجة حماية الموقع الأثري.
ومن الناحية القانونية، فإن إعلان الموقع الأثري وتحديد حدوده لا يساوي بذاته قرار مصادرة أو استيلاء على الأرض، لكنه قد ينشئ قيوداً واسعة على استعمالها، ويمنح الإدارة القائمة بالاحتلال صلاحيات تؤثر عملياً في قدرة أصحابها على التصرف بها. وهنا تكمن الخطورة: فالمصادرة لا تبدأ دائماً بقرار يحمل اسم «مصادرة»، وإنما قد تبدأ بتقييد تدريجي للانتفاع، ثم منع البناء، ثم فرض قيود إدارية وتخطيطية، وصولاً إلى واقع جديد على الأرض.
وتزداد خطورة هذه الإجراءات عندما تمس أراضي مأهولة أو مواقع تضم مباني وممتلكات خاصة أو أوقافاً ومقامات دينية، إذ قد تتحول القيود الأثرية إلى عامل ضغط مباشر على السكان، وخصوصاً إذا استخدمت لاحقاً كأساس لأوامر وقف العمل أو الهدم أو منع التطوير.
البعد الجغرافي والديموغرافي
المسألة لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع للسياسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن سياسات الاستيطان والضم والإجراءات المرتبطة بها، بما في ذلك الإجراءات التي تؤدي إلى تغيير التركيبة الديموغرافية أو تجزئة الإقليم، تمس حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وسلامة إقليمه.
وعليه، فإن الخطر القانوني لا يتعلق فقط بالإخطار منفرداً، وإنما بتراكم الإجراءات وآثارها على الخريطة وعلى قدرة الفلسطينيين على استخدام أراضيهم والبقاء فيها وتطويرها.
ومن هنا تبرز ضرورة التدقيق في أي انتقال لاحق من الإخطارات الأثرية إلى تصنيفات أو قيود تخطيطية جديدة، بما في ذلك ما يُتداول محلياً بشأن «المنطقة الخضراء». ولا يجوز افتراض أن كل إخطار أثري يقود تلقائياً إلى هذا التصنيف، لكن تزامن الإجراءات وتتابعها يستوجب توثيقاً ميدانياً وخرائطياً دقيقاً يكشف ما إذا كانت هناك علاقة بين هذه الخطوات وبين إعادة رسم استعمالات الأرض.
المطلوب: الانتقال من البيانات إلى الفعل
المرحلة الحالية لا تحتمل الاكتفاء ببيانات الإدانة. المطلوب تحرك قانوني وميداني ومؤسسي جاد يبدأ بتوثيق جميع الإخطارات، وتثبيت حدود الأراضي وأسماء المالكين، وتسجيل المباني والمنشآت القائمة، ومقارنة الخرائط الأثرية مع خرائط الطرق والاستيطان والمناطق المقيدة والتصنيفات التخطيطية.
كما ينبغي إعداد ملفات قانونية متكاملة لكل موقع، وحفظ الاعتراضات والوثائق وسجلات الملكية والأوقاف، ورفعها إلى الجهات الفلسطينية والدولية المختصة، بحيث لا يُترك أي إجراء إداري لاحق دون سجل قانوني يمكن الطعن فيه وتوثيقه.
إن حماية الآثار هدف مشروع في الأصل، لكن استخدام حماية الآثار كمدخل لفرض قيود دائمة على الأرض الفلسطينية أو تغيير واقعها الجغرافي والديموغرافي يحوّل المسألة من شأن أثري إلى قضية حقوق وملكية وسيادة وإقليم.
الأرض لا تُفقد دائماً بقرار مصادرة واحد؛ فقد تبدأ العملية بإخطار، ثم قيد، ثم منع، ثم واقع جديد. ولذلك فإن مواجهة هذه الإجراءات يجب أن تبدأ قبل أن يتحول القيد الإداري إلى أمر واقع يصعب تغييره.
إعداد وتقرير:
المحامي علي أبو حبلة



