*ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من المحكمة الجنائية الدولية؟*
أبو شريف رباح
*ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من المحكمة الجنائية الدولية؟*
أبو شريف رباح
21\9\2026
لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والمحكمة الجنائية الدولية مجرد نزاع حول حدود الاختصاص، بل تحول إلى مواجهة سياسية وقانونية تتصل بالسيادة الوطنية ومبدأ العدالة الدولية، خصوصاً عندما تطال الاتهامات مسؤولين في دول قوية أو حليفة لواشنطن، وتصاعد هذا الخلاف بعد إصدار المحكمة في تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، مؤكدة اختصاصها بالنظر في الوضع في الأراضي الفلسطينية ووجود أسباب معقولة للاعتقاد بالمسؤولية الجنائية.
ولأن الولايات المتحدة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، فهي لا تقبل باختصاص المحكمة على مواطنيها، في المقابل ترى المحكمة والدول الأطراف أن الاختصاص يمكن أن ينشأ عندما تقع الجرائم في دولة خاضعة لولايتها، وقد سبق للمحكمة أن قررت أن اختصاصها يشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع دولة غير منضمة إلى المحكمة منعها من ممارسة اختصاصها عندما تتوافر الشروط القانونية لذلك؟ واشنطن ترى أن عدم عضويتها يحول دون محاكمة مواطنيها، بينما يؤكد مؤيدو المحكمة أن عدم العضوية لا يلغي اختصاصها في الحالات التي يجيزها النظام الأساسي.
وتسعى الولايات المتحدة إلى وقف ما تعتبره ممارسة غير مشروعة لاختصاص المحكمة على مواطنيها ومواطني حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل. ولهذا فرضت إدارة ترامب في شباط 2025 عقوبات على المحكمة شملت تجميد أصول مسؤولين فيها وفرض قيود على دخولهم إلى الولايات المتحدة، قبل أن توسع الإدارة الأميركية، أمس، العقوبات لتطال المحكمة كمؤسسة، في محاولة للضغط عليها للتراجع عن ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، وكذلك عن التحقيقات المتعلقة بمواطنين أمريكيين.
ولا يقتصر الموقف الأمريكي على الجانب القانوني، فالمحكمة تمثل إطاراً دولياً لملاحقة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتخشى واشنطن أن تؤدي ملاحقة مسؤولين إسرائيليين أو أمريكيين إلى خلق سابقة تفتح الباب أمام مساءلة مسؤولين آخرين، وهو ما تعتبره مساساً بالسيادة وحرية حركة مسؤوليها السياسيين والعسكريين، وتقول الإدارة الأمريكية إن حماية مواطنيها من اختصاص تعتبره غير مشروع ترتبط بالسيادة والأمن القومي، بينما يرى منتقدوها مفارقة في تأييد محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية ورفض المحكمة عندما تطال التحقيقات أمريكيين أو إسرائيليين.
وتضع هذه المواجهة الدول الأوروبية، ولا سيما الأطراف في نظام روما، أمام اختبار صعب بين التزاماتها القانونية تجاه المحكمة وعلاقاتها الاستراتيجية والأمنية بالولايات المتحدة. كما تتجاوز القضية شخصي نتنياهو وغالانت وملف غزة، لتطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل العدالة الجنائية الدولية: هل تستطيع مؤسسة قضائية ملاحقة الأفراد مهما كانت مناصبهم، أم تبقى قدرتها مرتبطة بموازين القوة الدولية؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة للفلسطينيين الذين يرون في المحكمة قناة للمساءلة، بينما تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة أن المحكمة تجاوزت ولايتها.
ويمكن تلخيص أهداف واشنطن في ثلاثة مستويات: حماية المسؤولين والمواطنين الأمريكيين من ملاحقة تعتبرها غير مشروعة، ومنع تحول الإجراءات ضد المسؤولين الإسرائيليين إلى سابقة أوسع، والحفاظ على هامش واسع لإدارة الملفات العسكرية والسياسية بعيداً عن محكمة لا تعترف الولايات المتحدة باختصاصها.
في المقابل، تسعى الدول الداعمة للمحكمة إلى حماية استقلالها ومنع إخضاعها لضغوط القوى الكبرى. فإذا نجحت الضغوط الأمريكية في دفع المحكمة إلى التراجع، فسيعزز ذلك مفهوم أولوية السيادة الوطنية على القضاء الدولي، أما استمرارها في مسارها فسيكون اختباراً لقدرتها على العمل باستقلال في مواجهة دولة عظمى غير عضو فيها.
إن القضية الفلسطينية أعادت طرح السؤال الأهم: هل يمكن تطبيق العدالة الدولية على الجميع، أم ستظل خاضعة لموازين القوة والنفوذ؟ ولذلك فإن المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية ليست خلافاً عابراً حول مذكرات توقيف، بل اختبار لمستقبل العدالة الجنائية الدولية وحدودها، ولقدرة القانون على تجاوز هوية المتهم وموقعه السياسي في نظام دولي ما زالت القوة العسكرية والسياسية تؤثر بعمق في تشكيله.



