الكُساح العقلي ومنابع القوة!

بكر أبوبكر

سبتمبر 16, 2026 - 14:18
الكُساح العقلي ومنابع القوة!

الكُساح العقلي ومنابع القوة!
بكر أبوبكر
المنطقة العربية ومن ضمنها فلسطين تغلي على مرجل يضم فيه كل عوامل التفجير من جهة، وكل عوامل القوة  الداخلية الهائلة متجاورة مع ثقب الاستسلام المريح للآخر المهيمن.
ما بين قوة عظمى في طريقها للأفول، وأنظمة لا تعرف مصلحتها يدقّق الغازي الإسرائيلي في خياراته ويقود المنطقة نحو الكُساح الذهني والتصفيد في قيود مصالحِه هو فقط!
المنطقة التي عانت من ويلات  الاستخراب أو (الاستعمار) والاحتلال الإسرائيلي المدعوم من الزنديق الأمريكي لم تعد ترى أبعد من أنفها في ظل سلسلة الأزمات التي تحيق بها حيث الحروب تطال معظم أقطار العرب وأجوارهم في عملية معقدة لا تهدف إلا الى تحطيم إرادة هذه الأمة وعقلها الحضاري الجامع.
في الاتحاد قوة. شعار بسيط ولكن تطبيقه "دونه خرط القتاد" كما يقول المثل العربي.
إن ما يحصل اليوم من تفتيت متعمد للأمة (بدأ التفتيت منذ زمن طويل ومازال متواصلًا) وإشغالها بحروب تطالها جميعها تقريبًا سواء بشكل مباشر أو عبر الارتدادات هو قمين بأن تنصرف بسببه هذه الأمة للتفكير في صياغة وحدوية بدلًا من الاستجداء الحاصل للغرب الاستخرابي (الاستعماري) وعلى رأسه أمريكا الآفلة من التفرد على قمة العالم، وبدلًا من التذلل تحت أرجل الغازي الإسرائيلي الشهير بنكث العهود وكراهية الآخر وعنصريته القاتلة والسعي الحثيث للهيمنة على مجمل المنطقة.
في ظل العدوان الذي يطال الجميع فإن الكُساح الذهني العربي ينطلق من النظرة الضيقة التي بدأت تطال أصحاب القرار! فكلٌ ينظرالى كرسيه أو الى رأسه وهو رأس النظام ولا يلقي بالًا للشعب ذاته ومصالحه التي قد لا تتوافق مع مصالح النظام. فما بالك بالنظر الى مصالح الأمة ككل التي أضحت (أي فكرة الأمة) مجال سخرية واستهزاء.
وإلى ذلك ما بالك بالالتفات الى فلسطين والقدس بوابة الأرض الى السماء ومنطلق الحرب ومنطلق السلام؟
إن الكسيح ذهنيًا هو الذي ينخرط في دوامة التفكير بذاته مقرونًا بالكرسي الكسيح، وهو الذي من الصعب عليه أن ينظر إلى أبعد من أرنبة أنفه، فيرتعد خوفًا  ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾. (المنافقون 4)، وبالتالي من الصعب عليه أن يعي ويدرك ويفهم فيلجأ الى التذلل والاستجداء ممن يظن أنه حامي حمى الديار!؟
إن الشعب ومجمل حضارية الأمة هو الخزان الحصين لحماية النظام أي نظام، وليس دفء الكرسي أو القوى الخارجية التي لا تبغي الا مصلحتها هي أولًا وأخيرًا. 
لا تفيد الأنظمة العربية لا أمريكا التي بدأت تتهاوى على وقع ضربات التنين الصيني العملاق، وتجد صعوبة بالتنفس فما بالك بالوقوف لالتقاط الأنفاس! ولا يفيد الأنظمة ذاتها خطب ودّ وكيلها المعتمد ب"الشرق الأوسط" (أي المعتدي الإسرائيلي) رغم تمدّده المثير للانبهار! ولن تجد الأمة عونًا من القوى الإقليمية التي لا تعي حضارية المنطقة فتتقدم خطوات ضد المنطقة ضربًا وشتمًا كما يفعل الإيراني ذو العقل التوسعي الاستئثاري الذي يأمل في استقطاب الأمريكي واستبعاد الجار التاريخي.
إن ما يحصل في المنطقة العربية اليوم -يسميها الغرب الاستخرابي "الشرق الأوسط"- هو تخويفها المبرمج من الإيراني -رغم توسعيته العدوانية المرفوضة-لجعل الجار الإيراني هو العدو الأوحد مقابل إدخال المكوّن الإسرائيلي العنصري والغازي المهيمن جارًا جبريًا. 
تعاني الأمة من الكُساح العقلي وافتراض ضيق الخيارات نتيجة تفتت المواقف وتعملق العقل السلطوي والاستهلاكي فلا يجد الزعيم نفسه إلا ما بين خيار الاستسلام والاستجداء للوكيل المُهيمن، أو خسارة الكرسي والرأس! فيما أن الصمود والحضارية والعقل الوحدوي مفتوح الخيارات بما يعني اللجوء إلى مكمن القوة الحقيقي الوارد في فكرة "في الاتحاد قوة" أو "و اعتصموا".
توزعت ثروات الأمة على القبيح الأمريكي ظنًا أنه سيجلب للمنطقة الأمن أو السلام ففشل في كل معاركه الحالية. وظهر الأمريكي الأسطوري "سوبرمان" "كنمر من ورق"، ومازالت بعض الأنظمة تراهن عليه رغم تمزق صورته بين باب المندب ومضيق هرمز، ودعمه اللامحدود للإبادة الجماعية في فلسطين من قبله وبالتعاون مع وكيله الحصري والمعتمد.
هل أصاب عيون زعماء الأمة غشاوة أم عمى! فلم تعد تنظر لمكامن القدرة الحقيقية وللحظة التاريخية المواتية لتظهر قوية موحدة متضامنة؟ وما هذا بحلم بل إنها اللحظة التاريخية المناسبة اليوم ليبرز من حُطام المكتئبين قائد يفهم معنى السِعة والاحترام والتقارب والتضامن المطلوب فيقوم بشهر سيف الحق ودعوته للعودة الى الجذور حيث لا يحميك الا سيفك وشعبك ووحدتك، بينما الإسرائيلي الغازي لم يكن من جلد المنطقة بل هو مخلبها، ومفترسها لمن فهم أو لم يفهم بعد.
إن الإعياء عند الزعماء قد وصل ذروته وساهم فيه عن عمد كل من المعتدي الإقليمي وعلى رأسه النظام الإيراني الانقلابي وقبله حكمًا النظام الإسرائيلي الغازي الذي لا يملّ من ممارسة الإبادة الجماعية اليومية في فلسطين والجوار، فيلفظه العالم الحر ويقف إزائه العربي حيرانًا بين تهتك سياسة بلاده، والكساح العقلي، وبين مصلحة بلده أو رأس النظام أو الانتصار للقيم والمبادئ الجامعة.
 إن أمة أو شعب أو حتى دولة بلا قيم جامعة هي الى زوال بقادتها والنظام، فيما أن الدولة أو القائد أو الشعب الذي يعي حضاريته ومصدر قوته الرئيس بذاته وشعبه وأفكاره وقيمه، وبالطبع باكتساب كل أسباب القوة الجمعية (الاقتصادية والصناعية والزراعية والتقانية-التكنولوجية، والإعلامية وبالرواية) هي الأمة التي تفهم التكامل العربي وتفهم معنى مدّ اليد والرابط الذي يجمعها ولن يزول أبدًا.
إن الاستخراء الحاصل من قبل الأمريكي ووكيله الحصري لدول الأمة وقادتها لا يقف عند حدود التعامل معهم كأذناب وتبع قط، بل ويدفعهم  للتعامل مع الناس أو الشعوب كقطعان ذات أفواه تأكل وبطون تأكل فقط، بلا رؤوس تفكر! فتنهار العلاقة الحقيقية ولا يبقى إلا الخوف والتوجس.
ليست هي الذرائعية (البراغماتية) ما يسيّر قادة هذه الأمة بل الكساح العقلي وبما يعنيه من الاستسلام لمن هو بحكم الاندحار، ويا للعجب! ففي حين تنتصر القضية العربية في شوارع بل وعند أنظمة العالم الغربي وهم من خَلق الإسرائيلي على أرض فلسطين، ترى كل مكونات الانهزام والتراجع والاندحار لدى العربي المنتكس بضيق عقله وبالتالي ضيق ثم انعدام خياراته.  
إن لم تتمكن هذه الأمة من النظر جديًا في ذاتها العظيمة مكمن القوة، وتأخذ بقائد فيها زمام الأمور لقيادة ذاتها فإنها ستظل (ملطّة) للكبير والصغير، وتظل بين لا وعي بحقيقتها وانقسام على ذاتها وهيام بالغربي الأمريكي الآفل ووكيله الوحيد بالمنطقة.